النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

الصحفيــون

رابط مختصر
العدد 8607 الجمعة 2 نوفمبر 2012 الموافق 17 ذو الحجة 1433

انضم «جمال عبدالرحيم» رئيس تحرير جريدة «الجمهورية» إلى قائمة الصحفيين الذين أطاحت بهم المصادفة السيئة فأقيل من منصبه بعد أقل من ثلاثة أشهر من جلوسه على مقعد رئيس تحرير الجريدة التي أسسها «جمال عبدالناصر» وهو المقعد الذي جلس عليه قبله صحفيون كبار من بينهم « كامل الشناوي» و«جلال الدين الحمامصي» و«طه حسين» و«موسى صبري» و«فتحي غانم». وكانت «الجمهورية» قد صدرت يوم الأربعاء 17 أكتوبر، وفي صدر صفحتها الأولى مانشيت يقول «قلاع الفساد تترنح.. قرار منع المشير طنطاوي والفريق عنان من السفر يصدر خلال ساعات. اتهام جمال مبارك والعقدة ببيع ديون مصر و150 مشهورا أمام الكسب غير المشروع» وفي التفاصيل نسب الخبر لمصدر مسئول بجهاز الكسب غير المشروع، قوله بأن جهات رقابية متعددة انتهت من إعداد تقارير وقائمة تضم 150 متهما بالتربح واستغلال النفوذ بينهم إعلاميون يترأسون تحرير وإدارة صحف ورجال أعمال ومقدمو برامج فضائية شهيرة، وذكرت أن قاضي التحقيق سيصدر خلال ساعات قرارا بمنع «المشير طنطاوي» - وزير الدفاع السابق - والفريق «سامي عنان»- رئيس الأركان السابق - من السفر على خلفية البلاغات التي تتهمهم بقتل المتظاهرين في عدة أحداث بعد ثورة 25 يناير فضلا عن أن الجهات الرقابية تعد تقريرا عن ثروات المشير والفريق والتي يشتبه في أنها تضخمت جراء استغلال النفوذ من مناصبهما السياسية وتحقيق ثراء غير مشروع! وعلى عكس ما جاء في الخبر فإن قرارا بمنع المشير والفريق من السفر لم يصدر خلال الساعات التالية ولكن الذي صدر كان ثلاثة بيانات صدر أولها عن وزير العدل يكذب الخبر ويعلن أنه لا أساس له من الصحة ولم يكتف البيان الثاني الذي نسب إلى مصدر عسكري بالتكذيب ، بل أضاف يقول إن الخبر قد أغضب جميع أفراد القوات المسلحة قادة وضباطا وجنودا لمساسه باثنين من رموزها ورموز الوطن ، وصدر البيان الثالث عن رئيس مجلس الشوري الذي يمارس قانون حقوق الملكية علي كل الصحف القومية أعلن فيه أنه اتخذ قرارا بوقف رئيس تحرير «الجمهورية» عن العمل وتعيين أحد كبار محرريها قائما بعمله إلى حين عرض الأمر على المجلس عند انعقاده. ولم يكن هذا أول مقال تنشره الصحف المصرية، فما يكاد ينشر حتى يجد الصحفي الذي كتبه أو رئيس التحرير الذين نشره ، نفسه مفصولا أو موقوفا عن العمل ويتحول من رئيس تحرير يصنع الصحف، إلى مواطن يستخدمها في مسح زجاج النوافذ في منزله ومن كاتب إلى قارئ ومن صاحب مهنة مرموقة إلى متعطل يسلي أوقات فراغه بحل الكلمات المتقاطعة على قهوة أصحاب المعاشات! حدث في 17 أغسطس عام 1961 أن صدر عدد مجلة «المصور» وهو يحمل بين صفحاته مقالا كتبه الصحفي الكبير «فكري أباظة» - رئيس تحريرها ورئيس مجلس إدارة «دار الهلال» بعنوان «الحالةج» يحلل فيه اتجاهات السياسة الدولية ويطالب الدول الكبرى في نهايته بأن تعترف بحياد الدول العربية على أن يقوم بينها اتحاد فيدرالي تندمج فيه إسرائيل بعد أن تزول صفتها الدينية ويصبح الإسرائيليون من رعايا هذا الاتحاد، وبعد 24 ساعة من نشر المقال نشرت «الأهرام» بيانا يقول إن الرئيس «عبدالناصر» قد أصدر قرارا بإعفاء «فكري أباظة» من جميع مناصبه ووصف مصدر مسئول ما كتب بأنه ينطوي على دعوة للدول الكبرى بأن تفرض دمج إسرائيل في اتحاد عربي، وعلى تشكيك في الموقف العربي من إسرائيل. وبعد خمسة أسابيع من ذلك كتب «فكري أباظة» مقالا على الصفحة الأولى من «الأهرام» يعتذر فيه عما كتبه ويقول إنه لم يحسن التعبير عن فكرته وإنه كتبه ليدعو إلى إقامة اتحاد فيدرالي عربي يستوعب ما يتبقى من إسرائيل بعد محوها - كدولة - من خريطة المنطقة ويقدم في ثناياه اعتذارا ذليلا للرئيس عبدالناصر .. وبعد ستة شهور من نشر المقال عاد فكري أباظة لنشر مقالاته فى الـ«مصور» وليكون أحد رؤساء تحريرها. وفي نهاية العام نفسه 1961 انضم «أنيس منصور» إلى قائمة الذين طالتهم قرارات الوقف وحولتهم من كتاب إلى قراء ومن صحفيين إلى «حرافيش» وهو مصطلح كان يطلق في العصر المماليكي على الذين لا حرفة لهم وكان السبب مقالا كتبه على صفحات «أخبار اليوم» بعنوان «حمار الشيخ عبدالسلام» يعلق فيه على مسرحية «السلطان الحائر» التي كتبها «توفيق الحكيم» واستوحى أحداثها من واقعة حدثت في العهد المماليكي كذلك وبطلها هو شيخ الإسلام «العز بن عبدالسلام» الذي افتى بأن امراءالمماليك بمن فيهم السلطان لا تجوز لهم ولاية لأنهم ارقاء وليسوا احرارا وان ولايتهم لا تصلح شرعا ، إلا إذا بيعوا في سوق الرقيق لحساب بيت المال، فإذا أعتقتهم من اشتراهم جازت ولايتهم واتخذ «توفيق الحكيم» من الواقعة أساسا لمسرحية تناقش حيرة السلطان بين «القوة» و«القانون» واتخذ أنيس منصور من المسرحية أساسا لمقال يتحدث عن الطغاة وتنبه قارئ في كواليس السلطة إلى أن الصور التي نشرت في ثناياه تضم صورة للرئيس عبدالناصر الذي لم يرد له ذكر في المقال إلى جوار الطاغية «نيرون» ورسما لحمار الشيخ «عبدالسلام»، واستنتج من ذلك ماشاء له خياله فصدرت التعليمات بوقف أنيس منصور عن الكتابة والنشر وعن ممارسة عمله كرئيس لتحرير مجلة «الجيل» واستغرقت محاولاته في إقناع أصحاب الشأن بأن المسئول عن اختيار الصور التي تنشر مع المقالات هو سكرتير التحرير وليس كاتب المقال لمدة شهور عاد بعدها ليكتب وينشر ويصبح صحفيا لا حرفوشيا. وفي منتصف الستينيات تولى «حلمي سلام» رئاسة تحرير «الجمهورية» ونشط للنهوض بها والارتفاع بتوزيعها لكي تنافس «الأهرام» التي كان يرأس تحريرها «محمد حسنين هيكل» وكان يرسل في كل أسبوع برقية واحدة على الأقل للرئيس عبدالناصر يشكو إليه المسئولين في الحكومة لأنهم يختصون «الأهرام» بما لديهم من أخبار مهمة دون غيرها من الصحف وجاءته الفرصة حين عقد الرئيس اجتماعا مغلقا لمجلس الأمة طلب إلى رؤساء تحرير الصحف - الذي حضره - بألا ينشروا كل ما قاله فيه ، قبل أن يعودوا لوزير الإعلام لأن نشر بعضه قد يتسبب في أزمة علاقات مع بعض دول المنطقة ولكن «حلمي سلام» الذي كان يضع «هيكل » في رأسه - قدر أن «الأهرام» لن تلتزم بما سيقوله لها وزير الإعلام فنشر كل ما قاله «عبدالناصر» في الاجتماع وما كادت «الجمهورية» تصدر حتى اكتشف «سلام» أن «الأهرام» التزمت بالتعليمات وكان يستعد للذهاب إلى مكتبه للاحتفال بالسبق الذي حققه، وبالضربة التي وجهها إلي «هيكل» حين اتصل به وزير الإعلام يطلب إليه أن يبقى في منزله لأن الرئيس أصدر قرارا بإعفائه من رئاسة تحرير الجمهورية. أما الذي أدهشني في واقعة «جمال عبدالرحيم» ـ آخر الذين أدركتهم بركة الفصل من رؤساء تحرير الصحف ـ فهو تصريحه بأنه تأكد أن الخبر الذي نشره صحيح وهو ما كانت الشكوك قد ساورتني فيه، لأنه صيغ في سياق يوحي بأنه جزء من الحملة ضد الفساد التي أعلن الرئيس «محمد مرسي» أكثر من مرة أنها سوف تكشف قريبا عن مفاجآت وأسماء وشخصيات يذهل لها المصريون ولو صح ما ذكره رئيس تحرير جريدة «الجمهورية» لكان معنى ذلك أن الخبر الذي نشره قد أفسد خطة كانت تدبر في الخفاء ونبه الذين كانت تدبر لهم إلى ما يحاك ضدهم ، وأنه فصل من عمله ليس لأنه نشر خبرا كاذبا لكن لأنه نشر خبرا صحيحا قبل الموعد المحدد لنشره من دون أن يستأذن في نشره أصحاب الصحف .. وأصحاب البلد!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها