النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

العبور الثالث.. وأكتوبر التاسع والثلاثون

رابط مختصر
العدد 8593 الجمعة 19 أكتوبر 2012 الموافق 3 ذو الحجة 1433

عندما رحل الرئيس «جمال عبد الناصر» عن الدنيا كان من بين ما توقعته من تغيرات أن ينتهي العصر الذهبي للخطابة السياسية لأن أحدا بعد «عبد الناصر» لن يستطيع أن يخطب لمدة تصل إلى ساعتين وقد تزيد، فيجد مستمعين يصبرون على سماعه كل هذه المدة، ويقاطعونه بالتصفيق الحاد المتصل، والهتاف المتحمس المدوي، وكأنهم يستمعون إلى وصلة من أغاني «أم كلثوم». وعلى عكس ما كنت أتوقع، فقد أثبت خليفته «أنور السادات» ـ الذي لم تكن الخطابة من المواهب المعروفة عنه قبل توليه الرئاسة ـ أنه خطيب مفوه، وأنه يستطيع أن يخطب لمدة ساعتين، فيجد من يسمعه ويصفق ويهتف له.. ولأن خليفتهما «حسني مبارك» لم يكن خطيبا مفوهاً، أو شغوفا بأن يكون كذلك، فقد كان يفضل عادة أن يلتزم بالنص المكتوب، ولا يخرج عنه إلا نادرا، ليضيف عبارات بالعامية أو يلقي نكتة، يضحك لها المستمعون على سبيل المجاملة، ولم تكن معظم خطبه تتجاوز الساعة. وكانت الجماهير الغفيرة التي تحشد للاستماع إلى خطبة الرئيس وراء هذا الميل للاستطراد والإطالة والإعادة التي ليس فيها ـ غالبا ـ إفادة، إذ لم يكن منطقيا أن يتجشم سكان العاصمة مشقة الانتقال من بيوتهم إلي مكان الاحتفال، وأن يتكبد سكان المحافظات الأخرى ـ الذين يشحنون في القطارات والحافلات ـ نفس العناء لمجرد أن يستمعوا إلى خطبة لا تستغرق سوى ربع أو نصف ساعة حتى لو كانوا قد شحنوا على نفقة الحكومة، فقد جاءوا ليقوموا بواجب تحية الرئيس وعليه من باب الذوق واتباعا لقواعد الاتيكيت الشعبي الشائع في أمتنا العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة، أن يرد التحية بأحسن منها، وأن يشنّف آذانهم بإطالة مدة الخطاب، بإضافة بعض اللزمات، والانتقال بين المقامات، وتكرار بعض الكوبليهات، كما كانت تفعل كوكب الشرق «أم كلثوم» حين يهتف جمهورها منتشيا: أعد والنبي يا ست! وصحيح أن في الإعادة أحيانا إفادة، إذ هي فرصة لتكرار التصفيق الحاد المتصل والهتاف العالي المتحمس، لكن من الصحيح كذلك أنها تنطوي على مخاطر. فمن الوارد أن هذا الحماس قد ينتقل في أي لحظة من الجماهير إلى الرئيس، فيقع في مخاطر الارتجال، وتفلت منه عبارة غير مقصودة تكون سببا في أزمة سياسية لا علاج لها. حدث في 22 ديسمبر عام 1965 أن كان الرئيس «عبدالناصر» في طريقه إلى بورسعيد ليلقي خطابا جماهيريا في سرادق ضخم، بمناسبة الاحتفال السنوي بـ «عيد النصر» حين عنّ له أن يسأل عن النتيجة التي أسفر عنها لقاء جرى في صباح اليوم نفسه بين وزير التموين والسفير المصري بشأن شحنات القمح الأمريكي التي تأخر إرسالها لسبب غير واضح، دفع الإدارة المصرية للشك في أنها محاولة للضغط علي خلفية التوتر في العلاقات بين البلدين بسبب حرب اليمن، فقال له أحد معاونيه إن اللقاء قد فشل وإن الأمريكيين يصرون على عدم إرسال شحنات القمح، فاستفزت هذه المعلومات غضب الرئيس، وقاده حماس الجماهير أثناء ارتجال خطابه إلى إذاعة الواقعة ليعقب عليها قائلا: إن مصر ستواصل اتباع سياستها «واللي مش عاجبه يشرب من البحر الأبيض.. وإذا كان مش عاجبه يشرب من البحر الأحمر».. ليدوي تصفيق الجماهير المحتشدة في السرادق، وترتفع هتافاتها إلى عنان السماء. وما كادت الخطبة تنتهي حتى اكتشف «عبدالناصر» أن المعلومات التي نقلت إليه لم تكن دقيقة، لكن العبارة التي قالها أغضبت الرئيس الأمريكي فتدهورت العلاقات بين الطرفين. ووصلت إلى الحضيض. وحدث في عام 2006 وفي أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان أن خطب الرئيس السوري بشار الأسد في اجتماع حاشد لمجلس الشعب السوري قارن فيه بين موقف بلاده الذي ساند لبنان ضد العدوان ومواقف غيرها من الأنظمة العربية، وقاده الحماس لأن يصف بعضهم بأنهم «أشباه رجال» اتخذوا مواقف محايدة أو متخاذلة أو متواطئة.. وكان واضحا من سياق الخطاب أنه يقصد بذلك الرئيس المصري وملك السعودية وأثارت العبارة أزمة في العلاقات، أدت إلي تفكيك التحالف الثلاثي بين القاهرة ودمشق والرياض، الذي كان يلعب دورا أساسيا في السياسة العربية آنذاك، ومع أن العلاقة بين دمشق والرياض عادت بعد عدة أعوام، فإن العلاقة بين مصر وسوريا ظلت مجمدة، حتى انتهي عهد الرئيس مبارك. وبدأت القلاقل تهدد سلطة الرئيس السوري. ومشكلة الرؤساء مع هذا النوع من الخطب الجماهيرية التي تعقد في أماكن مفتوحة أنهم لا يستطيعون الاستغناء عنها، إذ هي إحدى أهم وسائل حشد الجماهير من حولهم، سواء كان هذا الحشد طبيعيا، أو كان ـ وهو الغالب ـ مصطنعا، وهي فرصة للإيحاء لخصومهم السياسيين في الداخل، ولدول العالم الخارجي بأن الأغلبية تؤيدهم.. لكن تحقيق ذلك يتطلب أن يقدموا لهذه الجماهير حوافز ومغريات تدفعها لتحمل مشقة الانتقال إلى مكان الاحتفال والصبر على الكلام الفارغ الكثير الذي يقوله الرئيس، بمناسبة أو دون مناسبة، ومن بين هذه الحوافز الإيحاء بأن الرئيس سيلقي خطابا خطيرا وسيعلن قرارات مهمة تتعلق بالسياسة العامة للبلاد وهو انطباع استقر في أذهان المصريين والعرب، منذ عهد «عبد الناصر» الذي كان يتعمد اختيار الاحتفالات بأعياد الثورة في يوليو من كل عام، لإعلان قراراته الثورية المهمة، ومن أبرزها قرار تأميم قناة السويس، وقرارات يوليو الاشتراكية وقرار فض الوحدة الثلاثية بين مصر وسوريا والعراق عام 1963.. وكان ذلك ما اتبعه الرئيس السادات «الذي كان يحرص على إعلان قراراته التي تتصل بما كان يسميه سياسة الصدمات الكهربائية» في المناسبات التي ارتبطت باسمه، مثل الاحتفال السنوي بثورة 15 مايو أو الاحتفال بأعياد أكتوبر. أما الرئيس «مبارك» الذي لم تكن لديه قرارات ثورية أو صدمات كهربائية أو مناسبة خاصة به، فقد كان الاحتفال بـ «عيد العمال» هو الخطاب الوحيد من خطبه التي ينتظرها الناس، وكان من تقاليد هذا الخطاب لسنوات طويلة أن الرئيس حين يقترب من إنهائه، ويحصل على ما يريد من تصفيق وهتاف، تعلو أصوات من القاعة تقول: المنحة يا ريس!.. فيعلن الرئيس أنه قرر منح العاملين في الدولة منحة أجر عشرة أيام بمناسبة الاحتفال بالعيد.. وبعد سنوات، وفي منتصف التسعينيات أقنعته الحكومة بأن صرف هذه المنحة في موعد محدد ومعروف سلفا تترتب عليه موجة من ارتفاع الأسعار، تزيد من نسب التضخم، وتفقد المنحة أثرها في تحسين أحوال الطبقات الشعبية واقترحت استبدالها بعلاوة في الأجور والمؤكد أن الحماس لمتابعة خطاب أول مايو قد توقف منذ أن أصبح الاحتفال بالعيد يخلو من إذاعة أغنية «المنحة يا ريس». ولا أعرف من هو المستشار الذكي الذي أشار على الرئيس محمد مرسي أن يقيم هذا الاحتفال الكبير ـ بمناسبة العيد التاسع والثلاثين لانتصار أكتوبر 1973، صحيح أن المناسبة تستحق لكن الاحتفال بها على هذا النحو المبالغ فيه كان ينبغي أن ينتظر حتي العام المقبل، حين يحل العيد الأربعين لها، أو حتى عام 2023 حين يحل اليوبيل الذهبي، كما حدث عام 1998 حين أقيم احتفال ضخم بالعيد الخامس والعشرين لنصر أكتوبر. ولم أجد تفسيرا لذلك الاحتفال غير المبرر إلا أن هذا المستشار الذكي بحث عن أقرب مناسبة لموعد انتهاء المائة يوم الأولى من رئاسة «د. محمد مرسي» واقترح استغلالها لإقامة احتفال جماهيري ضخم يخطب فيه الرئيس في حشد كبير من أنصاره وأعضاء حزبه، وجماهير التيار الذي انتخبه ليبرر عجزه عن تنفيذ الوعود التي قطعها على نفسه أثناء الحملة الانتخابية بحل مشاكل الأمن والمرور والوقود والنظافة والخبز ويسحب بذلك الأرض من تحت أقدام معارضيه الذين يستعدون للدعوة إلى مليونية يحاسبونه فيها على ما عجز عن تنفيذه من هذه الوعود ومن سوء الحظ أن هذا المستشار الذكي لم يجد مناسبة إلا العيد التاسع والثلاثين لنصر أكتوبر، فألقى الرئيس خطابا لا طعم له ولا لون ولا رائحة، إذ لا علاقة مباشرة للرئيس بالحرب، ولا علاقة للخطاب الذي ألقاه بأي نصر.. وما كاد يقول إن رئاسته هي العبور الثالث بعد عبور أكتوبر وعبور 25 يناير 2011 .. حتى سمعت أصواتا تقول: المنحة يا ريس! ولم يرد الريس!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها