النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

«عدنان مندريس» في خطاب أردوغان

رابط مختصر
العدد 8588 الأحد 14 أكتوبر 2012 الموافق28 ذو القعدة 1433

شبــّه البعض المؤتمر الرابع لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في تركيا، والذي إختتم أعماله في أوائل الشهر الجاري بـ «الاجتماع الإقليمي لجماعة الإخوان المسلمين» بسبب الحضور اللافت لبعض القيادات الإخوانية التي وصلت إلى السلطة مثل الرئيس المصري محمد مرسي، وزعيم حزب النهضة التونسي راشد الغنوشي، وزعيم حركة حماس الفلسطينية خالد مشعل. في هذا المؤتمر ألقى رئيس الحكومة التركية «رجب طيب أردوغان» خطابا إستمر لنحو ثلاث ساعات. ومن ضمن ما ورد فيه قوله: «إننا نسير على خطى أجدادنا الفاتحين مثل السلطان ألب أرسلان والسلطان محمد الفاتح، وعلى خطى قادتنا العظماء أمثال مصطفى كمال أتاتورك وعدنان مندريس وتورغوت اوزال ونجم الدين أربكان». لم يكن مستغربا أن يتحدث أردوغان عن سلاطين بني عثمان، فبلادته تسعى إلى إستعادة أمجادها العثمانية كدولة سنية قوية في مواجهة ايران الشيعية، مستغلة هشاشة الحالة العربية. كما لم يكن مستغربا تطرقه إلى أتاتورك وأوزال وأربكان. فالأول هو أبو الأتراك الذي لا يجرؤ أحد، مهما كانت توجهاته الإيديولوجية، على تجاهله أو إنتقاده. والثاني هو من وضع لبنات الإزدهار الاقتصادي الذي تعيشه تركيا اليوم. والثالث هو الأب الروحي للحزب الحاكم، وأول من أوصل الإسلاميين إلى السلطة في تركيا العلمانية. وهكذا توقف المراقبون أمام «عدنان مندريس» متسائلين عن أسباب إقحام اسمه ضمن قادة تركيا العظام. فمنهم من رأى في الأمر إعادة إعتبار للرجل من بعد طول نسيان، ومنهم من رأى فيه محاولة لإغاظة العسكر، ومنهم من قال أن أردوغان وحزبه يعتبران أنفسهما إمتدادا لمندريس وحزبه. والمعروف أن مندريس، الذي تولى رئاسة الحكومة التركية ما بين عامي 1950 و1960، كان أول رئيس حكومة ينتخب ديمقراطيا في تاريخ تركيا، وزعيم رابع حزب معارض يؤسـس بصفة قانونية في عام 1945، الا وهو «الحزب الديمقراطي» الذي فاز بالأغلبية الساحقة في إنتخابات عام 1950 ووضع حدا لهيـــمنة حزب الشعب الجمهوري على السلطة منذ 1924. إن الذين عاشوا زمن المد القومي العروبي والانقلابات العسكرية والحرب الباردة والأحلاف الغربية المعنية بأمن الشرق الأوسط، يتذكرون جيدا «عدنان مندريس» لأنه كان رأس الحربة للقوى الغربية في مواجهة المد اليساري والثوري، وحركة القومية العربية الصاعدة وقتذاك بزعامة جمال عبدالناصر. وهذا الذي أعدمه العسكر شنقا في عام 1960 مع وزير خارجيته «فطين رشدي» ووزير ماليته «حسن بلاتقان» لم يشفع له أنه قاد تركيا طوال عقد الخمسينات وأمتّن لها الاستقرار في أجواء الشرق الأوسط المضطربة، ومنحها عضوية حلف شمال الأطلسي فضمن لها حماية غربية من تهديدات السوفييت. كما لم يشفع له أنه ساهم في تطوير الحياة الاقتصادية في تركيا من خلال برامج تنموية وزراعية وصناعية وتجارية وتعليمية جادة، الأمر الذي تقلصت معه معدلات الأمية والبطالة. ولم يتذكر العسكر التركي وهم يشنقونه أنه هو من أمـّـن لمؤسستهم أحدث الأسلحة الإمريكية والغربية وأفضل التدريبات والمساعدات وذلك من خلال «حلف بغداد» الذي وضع ميثاقه بمشاركة رئيس وزراء العراق الأسبق المغفور له «نوري باشا السعيد». وربما الأسباب التي أملت على العسكر التخلص من مندريس شنقا، هي الأسباب نفسها التي جعلت أردوغان يعيد له الاعتبار. وتوضيحا لذلك لابد من التذكير بأن مندريس كان عضواً مطيعا في حزب «الشعب الجمهوري» الذي أسسه أتاتورك ونائبا عنه في البرلمان، لكنه قام مع ثلاثة نواب آخرين في 1945 بمعارضة وتحدي رئيس الوزراء «عصمت إينونو» خليفة أتاتورك وحامي ميراثه العلماني، والانشقاق عليه عبر تأسيس حزب جديد كما أسلفنا، حيث كانت الفرصة سانحة وقتذاك لتأسيس أحزاب جديدة بسبب رغبة «إينونو» في أن يـُجـّمل صورة تركيا أمام العالم. وقتها قيل ان أسباب اتقلاب مندريس على زعيمه هو شعوره بأن الأتاتوركية مرحلة قد إنتهت وأن المفترض التعامل مع العالم برؤى جديدة، دون أن يعني ذلك المساس بالجمهورية او نظامها العلماني. أما تلك الرؤى فكانت تشمل توسعة نطاق الحريات السياسية، وتعزيز حرية التعبير وحقوق الإنسان، وإنصاف الطبقات الاجتماعية الفقيرة، وتقديم تفسير جديد للعلمانية مفاده أنها ليست عدوة للأديان وإنما تطالب بفصل الدين عن الدولة. ومن هنا حرص مندريس حينما خاض الانتخابات على إطلاق وعود إنتخابية بإلغاء إجراءات «إينونو» العلمانية الصارمة التي كان من ضمنها جعل الأذان بالتركية وكذلك قراءة القرآن وإغلاق المدارس الدينية. وحينما فاز قام مندريس بإلغاء هذه الإجراءات حيث أعاد الآذان إلى العربية وأدخل الدروس الدينية إلى المدارس العامة وفتح أول معهد ديني عال إلى جانب مراكز تعليم القرآن الكريم . وبهذا فهو أتاح المجال أمام الإسلام السياسي للبروز من دون أن يدري أو يسعى. وتأسيسا على ما سبق يمكن القول أن هناك نوع من التشابه والتقاطع ما بين أردوغان ومندريس لجهة النهج السياسي، والتوجه الإيديولوجي، والتحالفات الخارجية، والموقف من العسكر، والانجازات الاقتصادية. فإذا كان يـُعزي لأردوغان أنه أعاد الوهج والقوة إلى تيار الإسلام السياسي في تركيا من بعد الظهور الخجول له على يد «نجم الدين أربكان»، فإنه يــُعزى لمندريس أنه من وضع اولى لبنات هذا التيار، رغم أنه لم يكن «إسلاميا» في يوم من الأيام. وإذا كان أردوغان حافظ على روابط بلاده بالغرب وإستراتيجياته من خلال منظمة شمال الأطلسي، رغم إيديولوجية حزبه القريبة من إيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين، فإن مندريس هو أول من دشن تلك الروابط. وإذا كان أردوغان قد سارع إلى تكبيل يد جنرالات الجيش من خلال سن تشريعات جديدة، والقيام بعمليات تطهير ومحاكمة في صفوفهم، فإنه ربما أراد بذلك الحيلولة دون تكرار ما حدث في صبيحة 27 مايو 1960 حينما قام 38 ضابطا بقيادة الجنرال جمال غورسيل بانقلاب عسكري، تلاه حل وتجميد أنشطة الحزب الحاكم، وإعدام رئيسه مندريس، وإيداع رئيس الجمهورية «جلال بايار» في السجن مدى الحياة، ناهيك عن وضع دستور جديد يجعل من «مجلس الأمن القومي» حاكما فعليا من وراء الستار، ويجعل من «المحكمة الدستورية» سيفا مسلطا على رأس الساسة المدنيين. وإذا كان أردوغان يسعى إلى إضفاء مظاهر الأسلمة على تركيا كبديل لردائها العلماني ونهجها الكمالي الذي دشنه اتاتورك في عام 1924 باستبدال دولة الخلافة بالجمهورية، والشريعة الإسلامية بالقوانين الوضعية، والأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية، والرابطة الإسلامية برابطة القومية التركية، وإلغاء الآذان، وتبني شعاري «ليس للتركى صديق سوى التركي و»سعيد أنت أيها التركى أن تكون تركيا» فإنه يفعل ما فعله مندريس من قبل، لكن بحذر شديد ودون استعجال كيلا يستفز خصومه. وهكذا يتبين إن إشارة أردوغان إلى مندريس كانت مقصودة وتحمل رسائل عدة إلى أكثر من جهة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها