النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

متى تشــــــرق شمـــــس الحرية؟!

رابط مختصر
العدد 8586 الجمعة 12 أكتوبر 2012 الموافق 26 ذو القعدة 1433

من وراء ركام داكن اللون خانق للأنفاس لا تلبث أن تلتهمه سماء البحرين الصافية إلى أن يُؤمر مشعلوه بافتعال غيره في عناد مذهبي مقيت يغرق البحرين في سواد يُعبر بجلاء عن مرض نفسي لعلنا ندعوه مرض كراهية الذات والآخر والبلد، ومن وسط عتمة ليل بهيم يتخذ العنف خليلا وحبيبا ـ وهل هناك حاضن للعنف ساتر لمكائده أكثر إرهابا من الليل ـ يصاعَد دخان كثيف يأبى أن ينجلي، ومن وراء ركام ذاك الدخان أطلق صرختي وأذرف حسرتي حرقة على بحرين السلام، البحرين التي يبدو أن نفرا أرادوا طمس هويتها لحساب مذهبية مقيتة شطرت البلاد وعاثت فيها فسادا وتخريبا بدا وكأنه لم يقنع بالأرض فطاول زرقة سماء البحرين ليلفها بسواد قلوب أترعها الحقد ففاضت به على خلق الله وطلبت به جنة دلمون تطمس أساطيرها الجميلة وحكاياتها الناطقة بالبحريني الأصيل المغامر حبا للحياة وكلفا بوطن بناه محبة وعقلا وطموحا وعشقا لبني وطنه مهما كانت نحلاتهم ومذاهبهم ورؤاهم للكون. لقد بلغ السيل الزبى ووجدتني في هذه اللحظة أستنجد بكل لغات العقل والقلب والوطن والدين والهوية والانتماء لأتوسل إليهم جميعا: سراق شمس بلادي ونجماتها وعصافيرها وفراشاتها، كفوا عن التطاول على شرف هذه الأرض الطهور وأمنها وسلامتها، وأطلقوا سراحها من أكبالها ومن أسر مذهبيتكم المقيتة ومن عقال عمامات بطرت مما تتحيل به على بسطاء الناس؛ كي تعود الحياة محبةً وألفة كما عهدناها على مدى أعمارنا التي شارفت على الانتهاء. باختصار دعوا شمس الحرية تشرق. إنني في كل هذا أخاطب الشباب المجرور والمُغرر به حتى غدا حطبا ووقودا يحترق هو ويحترق به الوطن، أخاطب هذا الشباب وأعول عليه وعلى فطنته في كشف الألاعيب المذهبية ومخادعات رجال السياسة الطائفيين. أعول عليه لأنه التعبير الأسمى عن حب الحياة واستمرارها. أعول عليه لأنه المستقبل.. وفي المستقبل يكمن الأمل. دعونا نبعد فلذات أكبادنا عن أعمال العنف ونهيئ لهم مدارس بيئتها التعليمية التعلمية آمنة ونظيفة خالية من شوائب الطائفية، ونُعد لهم شوارع سالكة يؤمنو لهم فيها رجال المرور في محبة وشغف لضمان سلامتهم، وننشئ لهم مسارح وبيوتا للفن تغمرهم فرحا وبهجة وتُحيي قلوبهم وتذكي عقولهم. دعونا نفرش لهم الأرض ورودا وأزهارا. دعونا نستعد بحريننا التي اختطفها المذهبيون لينحروها .. وينحرونا معها. نعم، إنني أذرف حسرتي حزنا ، لا يأسا، على هذا المجتمع المتحاب الذي ضرب المثل الرائع في التلاحم والوحدة الوطنية، عندما أبحرت سفينة الأجداد منذ قرون ضد الأنواء والأعاصير حاملة على متنها رايات التسامح والمحبة مبدءا وسلوكا اجتماعيا عفويا، وعادت سالمة غانمة مرفوعة الرأس على الدوام. ورغم امتلاء القلب بالحسرة وسواد الليل الواصل بالنهار يمكنني كمتفائل، أن أبصر خيوط الأمل وهي تتسلل في الأفق، وقد حاكتها أيادي الطيبين من هذا الشعب العظيم. التجارب علمتنا أن البحريني لا ييأس من قدرة شعبه على العودة إلى مواقع الصواب وجلد الذات بمراجعات يراها حاجة ملحة لتعديل المسار؛ لتستقيم أموره وتنسجم مع معطيات واقعه الذي رضي به الآباء والأجداد وتعايشوا معه. فالمذهبيون والهوى الذي يحركهم والطائفيون والآمال التي تحدوهم لم يسلكوا البتة مسارا جامعا لكل مكونات المجتمع، وتجارب الدول علمتنا أن الطائفي لن يتيح للعقل متسعا من الوقت كي يستشرف الحلول ويستكشف سبل الخلاص، ولنا في العراق وإيران الأسوة السيئة. فمثَلُ الطائفي والمذهبي، كمثل العنصري ومثل الشوفيني لا يفكران بعقولهم، إنهما يستجيبان طواعية لنداءات العاطفة التي تحركها خطابات امتلأت حقدا وكراهية، وتسوقهما سوقا إلى تنفيذ أقوال الخطيب القائد مثلما يحدث مع خطابات عيسى قاسم التحريضية. لنكف عن الجري وراء أوهام الجمعيات السياسية المذهبية التي تعمل من دون كلل أو ملل وفق أجندات رعاتها المذهبيين الداخليين منهم والخارجيين. إن البحرين، لقادرة بجلد أهلها شيبا وشبابا نساء ورجالا وبمثابراتهم على تجاوز محنتها ودحر كيد الكائدين. ما الذي تحتاجه البحرين لتحقيق الأمل في وحدة نسيجها الاجتماعي من جديد وقبر الطائفية؛ من أجل أن تشرق شمس حريتها المحبوسة الأسيرة لدى مصلحة الطائفيين والمذهبيين الذين تثير شهيتهم رائحة الدم والأشلاء المتناثرة من التفجيرات؟ ما الذي تحتاجه البحرين لتبقى على الدوام محل قداسة من الجميع، ويظل العابثون بأمنها وأمانها في دائرة الإدانة والكفر؟ إنها تحتاج إلى اشتراطات لوجستية تقودها إلى بر الأمان وتعبر بها هذا النفق المظلم الذي أدخلت فيه عنوة وبفعل إرادة مذهبية بحتة اتخذت من عناوين براقة مطية لها للتأثير في الداخل والخارج. ولعلني أذكر بعض هذه الاشتراطات التي أرى في تحققها تخفيفا من حالة الاحتقان ومزيدا من فرص لتحسين الأمن الاجتماعي والوطني. فمن هذه الاشتراطات: أولا: محاربة الفساد المالي والإداري بشتى مظاهرهما، وثانيا: القضاء على كل مظاهر التمييز والمحسوبية ومعاقبة كل الممارسين لهما، ولعلي، في هذه النقطة، أعيد وجهة النظر التي كنت أطرحها دائما وهي أن المسؤول عن التمييز والمحسوبية هم الموظفون التنفيذيون كل في مجال عمله، فلنشدد الرقابة عليهم. ومن البداهة أن يكون الحكم في البحرين على مسافة واحدة من كل المواطنين، وهذا هو صحيح تاريخه؛ ذلك أن التمييز هو آفة الاستقرار ومؤذن بالخراب والفتنة. رابعا: تحسين مستويات المعيشة: الأجور والإسكان والطبابة، وفي ذلك ينبغي التعويل على مجلس نيابي تعود قوة النواب فيه إلى الناخبين، فكلما دقق الناخب في كفاءة المترشح وعلمه ووطنيته، كلما ابتعد عن هويته الطائفية والمذهبية. خامسا: تعزيز سلطة القانون وتنفيذ ما نص عليه من عقوبات بالدقة المطلوبة ضد أي مذنب كائنا من كان. إن مجتمعنا لو قورن بمن حوله من غير العرب لكانت المقارنة في صالحه رغم الفرق الشاسع في الإمكانيات المتاحة سواء أكانت المقارنة مادية أم طبيعية أم بشرية. وأول ما يجب الإشارة إليه عند المقارنة هو أن التعليم النظامي بدأ في البحرين منذ بداية القرن العشرين، ولهذا يجب الاطمئنان إلى أن الشعب البحريني شعب متعلم قادر على إدارة أموره بسواعد أبنائه، رجالا ونساء، وقد حققوا في ذلك نجاحات منقطعة النظير، والدليل هو الصيت الاقليمي والدولي الذي خلفته هذه النجاحات. أما الأمر الآخر فهو أن آل خليفة، حكام البحرين الكرام آمنوا بهذه الحقيقة وعملوا مع الشعب، كتفا بكتف، على إجراء التغيير إلى الأحسن للدخول في العصر فاعلين ومتفاعلين. فكانت أول ثمرات هذا العمل الاتفاق غير المكتوب على مدنية الدولة وليبراليتها وحرية اقتصادها، وإرساء مقوماتها بإنشاء مؤسسات المجتمع المدني منذ بداية القرن العشرين. وقد سار العمل وفق نظرة حداثية تعاقب عليها جميع الحكام بمبايعة الشعب البحريني إلى أن جاء عهد جلالة الملك حمد الذي رأى ضرورة إجراء إصلاحات أعم وأشمل لإحداث النقلة النوعية في مسيرة الإصلاحات المستمرة، فكان ميثاق العمل الوطني بوابة للدخول إلى الديمقراطية التي نسعى جميعنا إلى تطويرها نحو الأفضل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها