النسخة الورقية
العدد 11124 الإثنين 23 سبتمبر 2019 الموافق 24 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:57PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

أبعاد

الأطفـــال بــــين زمنـــين

رابط مختصر
العدد 8586 الجمعة 12 أكتوبر 2012 الموافق 26 ذو القعدة 1433

عندما شاهدته يحمل بين يديه عبوة مولوتوف مشتعلة ويستعد لرميها بقوة استحضرت ذلك الطفل الحزين في الزمن القديم والذي كان يحمل بين يديه كرة ليرميها على زملائه في ملعب رملي قريب من الساحل فيما احاط صغار وكبار بالملعب. وعندما رأيته ذلك الطفل الملثم يحمل على كتفيه اطاراً وذهب به وسط الشارع ليشعله ويهرب تذكرت على الفور حملات اسبوع الصحة نهاية الستينات والتي كنا فيها نشاهد الاطفال في حملة تنظيف للشوارع والقرى والفرجان. وعندما رأيت ذلك الطفل يهتف «يسقط النظام» تذكرت طفولتنا في تظاهرات نهتف «يسقط الاستعمار» ما اشد الفرق واكبر الفارق بين صور زماننا وصور زمان هذه الطفولة. وعندما أرى الاطفال بعد التاسعة مساءً يخرجون من مفارق الطرق المظلمة إلى وسط الشارع ليحرقوا حاويات القمامة ويشعلوا الاطارات اتذكر زمناً كان الاطفال فيه ينامون في السابعة بعد ان يكونوا قد حضروا واجباتهم المدرسية ولعبوا في براءة اطفال حقيقيين مع اقرانٍ لهم في الفريج الهادئ بحنان زمن جميل. لن أذهب إلى تحليل الظاهرة في يوم جمعة اتمناه خفيفاً ولطيفاً لا تلوثه الحرائق ودخانها ولا المتاريس وحجارتها.. وسأختار الوقوف أمام اسئلة لماذا واطفال هذا الزمان لديهم من الامكانيات والالعاب والفرص للتسالي لم تكن متوفرة لاطفال زمانٍ كان اقصى حلمهم ان يملكوا «سيكل» واجمل لحظة حين يجتمعون في الفريج امام شاشة التلفزيون الذي لا يملكونه ليشاهدوا «توم وجيري» ولم يدر بخلدهم ان لعبة اطفالهم الذين سيخلفونهم وينجبونهم بعد عقود ستكون عقوبات مولوتوف. في زمن مضى كان كبارنا يبعدوننا قدر الامكان عن السياسة إدراكاً منهم بان وعينا لن يستوعب ما يقولون وما يطرحون وسترتبك وتتشوش اذهاننا ويختل وجداننا بمثل تلك المواضيع والقضايا السياسية المعقدة.. فهل كان آباؤنا اكثر وعياً سياسياً وثقافياً منا نحن الذين نزج بالاطفال في اتون السياسة وجحيم المواجهات العنيفة ونطلب منهم شهادة «حرق» بدلاً من ان نطلب منهم شهادة تخرج ونجاح. في عمر الرابعة عشرة والخامسة عشرة كنا نقرأ روايات نجيب محفوظ واحسان عبدالقدوس والسباعي وفي الثامنة عشرة قرأنا فيكتور هو جو وتشالز ديكنز وتولوستوي وكنا نناقش الروايات بقلب مفتوح على الابداع وعقل يبحث عن الفن في السينما البسيطة المباني «المحرق البحرين الزياني» واليوم في سينما السيف والدانة لا نذهب ولا يذهب اطفالنا وقد انشغلوا بتصنيع المولوتوف وحرق الاطارات وقفل الشوارع. في العطلة الصيفية كنا نبحث عن «شغل» ولا يهم فراش عامل صباغ نجار «مساعد» وبعشرين دينار في الشهر واليوم يحرق الطفل اطاراً فيستلم خمسة دنانير «تجارة لا تبور وطفل يثور» أهكذا هي الثورة؟ بئس ما تعلموا وعلموا وبئس وعيهم بمفهوم الثورة في الزمن الاغبر. هل كان اطفال جيلنا قادرين على الحلم مع اغنية عاطفية رقيقة فيرسمون على جدار الفريج قلباً «مجروحاً بسهم كيوبيد بينما اطفال هذا الجيل توقف حلمهم وجفت عاطفتهم فرسموا وكتبوا على جدار قريتهم الوادعة «يسقط النظام»!!؟؟. لماذا كنا قادرين على الفرح والبهجة في ظل امكانيات فقيرة وبسيطة تحلم بحديقة ووردة.. وعندما توزعت الحدائق في الفرجان كف اطفالنا عن البهجة والفرح وزرعوا عبوات المولوتوف والقنابل في طرقات كانت تغني وكانت تفرح في زمن ليس ببعيد وفي زمن يخرج فيه الطفل إلى ملعب الفريج عصراً فيتشاكل مع اصدقائه لكنهم لا يحقدون ولا يكرهون ولا يرمون الاسياخ على بعضهم البعض. كم لماذا يحتملها مقالنا اليوم وكم طفل سيقرؤه عندما يكبر ام سيكف الكبار عن القراءة التي لم يعرفوها صغاراً وانشغلوا بحرق الاطارات ليسجلوا «بطولة» واهمة. وكم علامة استفهام يستغرق فيها جيلنا ونحن نرى الاطفال ليسوا اطفالاً بل عبوات ناسفة!!. عنوان فرعي وكم علامة استفهام يستغرق فيها جيلنا

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها