النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

دواء الحرية المُرّ ومرض الاستبداد القاتل

رابط مختصر
العدد 8586 الجمعة 12 أكتوبر 2012 الموافق 26 ذو القعدة 1433

أصبحت المعركة بين الصحفيين والإعلاميين وأصحاب الرأي الآخر، وبين جماعات الإسلام السياسي- صاحبة النفوذ الأكبر في الساحة السياسية المصرية على الصعيدين الشعبي والرسمي، - مكشوفة، وتحولت الحرب الباردة بين المعسكرين إلى حرب ساخنة، لا تخطئها عين ولا تصم عن سماع دوي انفجاراتها، ولم تعد هذه الجماعات تستخدم لغة دبلوماسية في التعبير عن ضيقها بحرية الإعلام، أو مجرد لغة حادة في الرد على من ينتقدونها، ويبدون آراء تختلف مع آرائها، ولم تعد تحرص على إخفاء مشاعر الكره والبغض التي تكنها لكل من يرى غير ما ترى أو يجتهد في الشأن العام بغير ما تجتهد أو تخجل من الإعلان عن رفضها لحريات الرأي والتعبير والصحافة والإعلام، بل تتالت تصريحات قادتها ومفكريها وممثليها في الجمعية التأسيسية لوضع الدستور، وحتى الصحفيين والإعلاميين المنتمين إليها، تحرض علنا ضد هذه الحريات، وبدلا من أن يطالب هؤلاء- كما كانوا يفعلون قبل أن يمن الله عليهم بفتح مصر، بإلغاء ترسانة القوانين المقيدة للحريات، التي ورثوها عن النظام السابق، باعتبارها -كما كان - توصف آنذاك- «قانونين سيئة السمعة» أصبحوا يطالبون بتطبيقها علي كل من يختلف معهم في الرأي، أو ينتقد سياسات حكومتهم، مع أن هذا النظام السابق كان قد جمد عمليا معظمها واحتفظ بها على سبيل التهديد، وكف عن تطبيقها إلا للضرورة القصوى! وهكذا تتالت تصريحات أقطاب جماعات الإسلام السياسي تصف الصحفيين والإعلاميين بأنهم «سحرة فرعون» أو«الطابور الخامس الذي يعمل لحساب فلول النظام السابق» وبأنهم ينطقون بلسان فسطاط الكفر الذي يضم الليبراليين والعلمانيين واليساريين، ويتقاضون أموالا من قوى كونية، تسعى لإفشال المشروع الإسلامي، الذي دخل حيز التنفيذ بالفعل، بانتخاب رئيس ينتمي إلى هذا التيار، وأن هذه الأموال هي التي تدفعهم فيما يكتبونه وما يذيعونه لانتقاد الرئيس، و إلى السعي لإفقاده هيبته ومكانته، وتجاهل إنجازاته الكبيرة خلال الأيام المائة الأولى من عهده، وبالذات صلاته الفجر حاضرا، وحرصه على أن يبدأ خطبه المحلية والدولية، بالبسملة، والصلاة على النبي «صلى الله عليه وسلم» والترضي على خلفائه وأصحابه وأمهات المؤمنين! ومع التسليم بأن بعض ما تنشره الصحف من مقالات، أو يرد على لسان بعض المتحاورين على شاشات الفضائيات، ينطوي أحيانا على تجاوزات في التعبير عن الرأي تطول اشخاص المختلفين بما في ذلك شخص الرئيس فلابد من التسليم - كذلك - بأن الحرية دواء مر لا يخلو- ككل الأدوية- من أعراض جانبية ، لا مفر أمامنا من احتمالها، إذ مهما كانت مرارتها فإنها أرحم بكثير من مرض الاستبداد القاتل.. وفضلا عن أن من واجب الأكثرية - في أي مجتمع ديمقراطي - أن تكون أرحب صدرا في تقبل النقد، من الأقلية، لأنها مدعومة بجماهير الأكثرية التي تؤيدها، فإن الحرية قادرة دائما على أن تنظم نفسها بنفسها. والحقيقة أن رد فعل فصائل جماعات الإسلام السياسي على ما توجهه إليها الصحف ووسائل الإعلام إليها من انتقادات، تعكس مبالغة شديدة في مدى تأثير هذه الانتقادات على جماهيريتها، وعلى ما قد تحوزه من مقاعد في الانتخابات البرلمانية الوشيكة، وتكشف عن أن هذه الجماعات لا تملك القدر الكافي من الثقة بالنفس التي تدعوها لتجاهل ما ينسب إليها، أو الاكتفاء بتكذيب ما ليس صحيحا منه، أو الرد عليه - بشكل مباشر أو غير مباشر - بمنطق عقلاني بدلا من الاكتفاء بالطعن في ذمة الناقد أو اتهامه في دينه، وهي أساليب لم تعد تؤثر في أحد، أما الذي يليق بهم حقا، فهو أن يستفيدوا من هذا النقد ويصوبوا ما قد يكون قد وقعوا فيه من اخطاء، ويسحبوا بذلك البساط من تحت أقدام الناقدين، ويردوا كيدهم إلى نحورهم. أما أسوأ دلالات هذه الحرب الساخنة التي تشنها جماعات الإسلام السياسي ضد المختلفين معهم، فهو أنها تعكس إحساسا بالاستعلاء على الآخرين، وادعاء بالعصمة التي هي من صفات الأنبياء لا من صفات البشر، تدفعهم لليقين بأنهم «الفرقة الناجية» فهم وحدهم الذين يملكون الصواب المطلق، وكل من يختلف معهم على خطأ بشكل مطلق، وهم - وحدهم- يقيمون في فسطاط الإيمان، بينما يقيم الآخرون في فسطاط الكفر، والشعب كله يؤيدهم، بينما لا يجد المختلفون معهم من يؤديهم.. وهو نفسه المنطق الاستبدادي، الذي انتهى بالقضاء على كل الطغاة.. وأخرجهم من ساحة التاريخ. وكان هذا المنطق وراء غضب جماعات الإسلام السياسي بشكل مبالغ فيه، مع بعض التجاوزات التي ارتكبها بعض الإعلاميين في حق الرئيس «محمد مرسي» فور انتخابه، فارتفعت صيحاتهم تطالب بتطبيق القانون على الذين وقعوا في هذا الخطأ وتتالت بلاغات أفراد منهم إلى النيابة العامة، تتهم هؤلاء بارتكاب جريمة إهانة الرئيس التي لم يقدم أحد - سواء كان صحفيا أو مواطنا- إلى المحاكمة بسببها في خلال العهد الجمهوري، وعطلت إحدى القنوات الفضائية لمدة 45 يوما للسبب نفسه. فيما بعد تواصلت الشواهد التي تؤكد أن هذه الجماعات لا تسعى فقط لتحصين شخص الرئيس ضد النقد، بل تعمل كذلك على أن تحوله إلى رئيس على الطريقة المصرية والعربية، بالمبالغة في إنجازاته، وهي بطبيعتها محدودة - بحكم المدة القصيرة التي أمضاها في الحكم حتى الآن- وتقودهم إلى الإفراط في تحليل الإعجاز السياسي فيما يلقيه من خطب هي في معظمها خطب إنشائية لا تتضمن جديدا في سياسة مصر يستحق التحليل والتهويل فيما أنجزته زياراته للخارج من ثمار - خاصة على صعيد الاقتصاد مع أن معظمها كان مجرد زيارات تعارف، يمكن أن تسفر عن نتائج في المستقبل وليس الآن. ولم يتنبه الذين يبالغون في الحديث عن إنجازات الرئيس خلال هذه الفترة القصيرة، إلى أنهم يزرعون الألغام تحت قدميه، ويرفعون سقف التطلعات والآمال لدى الجماهير اعتمادا على ما أشيع عما حققه في جولاته الخارجية من انجازات اقتصادية، فإذا ما اكتشفت الجماهير الحقيقة، أفقدها الإحباط ثقتهما في الرئيس، وقالت في حقه ما يتواضع أمامه كل ما يقوله الناقدون من الصحفيين والإعلاميين! مشكلة جماعات الإسلام السياسي في مصر مع الصحافة والإعلام هي أنها لم تتنبه بعد إلى أن الدنيا قد تغيرت، وأن زمن الرئيس الملهم الموهوب قد انتهى، وأن أحدا لم يعد يستطيع - مهما بذل من جهد- أن يؤسس من جديد «رابطة صناع الطغاة» أو أن يصادر حرية الصحافة والرأي والتعبير!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها