النسخة الورقية
العدد 11147 الأربعاء 16 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:09PM
  • العشاء
    6:39PM

كتاب الايام

أبعاد

كتابات مثالية في واقع غير مثــــالي

رابط مختصر
العدد 8581 الأحد 7 أكتوبر 2012 الموافق 21 ذو القعدة 1433

يخطئ من يعتقد ولا يوجد من يعتقد ان واقعنا واقع مثالي بل لا يوجد ولم يوجد ذلك الواقع المثالي إلاّ في اذهان الطوباويين الواهمين ولأننا لسنا كذلك فإننا نتساءل كلما قرأنا كلاماً جميلاً عذباً منمقاً بعبارات مثالية تعجبنا في واقع لا يعجبنا ونجتهد بوعي لتشخيصه وعلاجه فلا نجد في الكتابات المثالية لا تشخيصاً ولا علاجاً عندما تستحضر عبارات رائعة لغاندي وطاغور ومارتن لوثر كينغ وهيغل وبرناردشو والفيلسوف لوك عن التسامح وعن اللاعنف في واقع ملوث بسموم الكراهية بعد ان اعتمد البعض فيه العنف اسلوباً والطائفية لغة وثقافة وعقيدة ندرك ويدرك معنا المثاليون ان اجتثاثها من ذهنية ومن وجدان جيل بأكمله تشربها عقوداً وسنيناً لن يكون بالعبارات الزاهية مهما كانت جميلة وبراقة ومهما كانت ملونة بالامل. القضية اليوم اكبر من ان تعالج بعبارات مثالية في واقع غير مثالي بالمرة بل في واقع معقد رأينا فيه المثقف الطليعي او المثقف العضوي بتعبير غرامشي يختار الطائفة ويصطف هناك متخندقاً اصطفافاً طائفياً مقيتاً متناسياً في غمضة عين كل التراث الانساني الذي تشربه يوماً عن التسامح والتعايش واللاعنف وعن التشارك والتعددية والحرية لجميع المكونات. كارثة عالمنا العربي تكمن اساساً في خطابه «الخطاب هنا بمعنى الثقافة» فهذا الخطاب / الثقافة ظل يدور منذ قرون طويلة في مثاليات متعالية بل متعامية عن حقيقة واقعه وهو ما جعل المسافة تزداد اتساعاً وابتعاداً عن الخطاب والواقع وهنا بدأت الكارثة ينتجها الواقع ينفيها الخطاب تبريراً هروبياً من الاعتراف بالواقع وبعيوبه واخطائه وخطاياه. ونحن هنا نتكلم عن الجميع فحتى احزابنا بل ان احزابنا وقوانا الوطنية التقدمية منها والتقليدية كرست هذا الخطاب وتبنت ثقافة الهروب من نقد ذاتها اي من نقد واقعها حتى وجدنا اكثرها تقدمية ومدنية تصطف بلا تردد في دوار الطائفية وهي نهاية خطاب مثالي لاعلاقة له بواقعه. مثقفنا العربي كان دائماً يمشي بجانب الجدار وعينه على المنصب فيكتب ويتحدث بمثالية لا بواقعية واذا ما لاحت له فرصة هنا او هناك فهو معها وببساطة غداً يتحول ضدها على طول خطه الشخصي كما حدث لوزراء ظلوا ربع قرن في الحكومة واصحاب قرار ثم عندما زال المنصب تحولوا الى معارضين زاعقين في الدوار.. فهل هكذا نوعية من البشر يمكن ان تؤسس لمعارضة ناضجة وحقيقية؟؟ بعض المثقفين خرجوا بعد محنة الدوار بمشاريع لمصالحة وطنية شاملة كما اعلنوا وكما تحدثوا حين التقطت لهم الصور واجريت معهم المقابلات في الاذاعة والتلفزيون والصحافة ولانهم قالوا كلاماً مثالياً في واقع غير مثالي فقد انتهت مشاريعهم قبل ان تبدأ وقبل ان تخرج الى النور ذلك لانهم لم يعالجوا الواقع بواقعية ولم يشخصوه بجرأة وجسارة تضع النقاط على الحروف وتواجه واقعها بواقعية عبر خطاب واقعي لا خطاب مثالي يدور حول نفسه ولا يصل لطرف محدد. الكتابات المثالية كتابات هي في احسن حالاتها كتابات حيادية او محايدة في واقع غير محايد بامتياز وبالتالي يحتاج قول الحقيقة بلا تزويق وبلا مجاملة مهما كانت قاسية ومهما كانت موجعة ويواجه الخطايا ومن يرتكبونها بشجاعة وجسارة فالقضية قضية وطن والوطن دائماً اكبر من كل المثاليات والمجاملات والطبطبة على كتف المخطئ او الجاني وكأنه طفل كسر كأس ماء بطريق الخطأ. يا سادة لا نطلب منكم الكف عن الكتابات المثالية فهي جميلة وعباراتها عذبة.. لكننا نعرف وتعرفون انها لن تترك أثراً هنا او أثراً هناك وتلك هي المشكلة. ولعلنا لسنا بحاجة الى ان نشير الى قوة والى التأثير البالغ للخطاب الآخر في جموع المتلقين لا سيما واننا امام حالة معكوسة او مقلوبة فالشارع هو الذي يقود الاحزاب ويقود القوى ويفرض عليها شكل المصير والمسير وهي بذلك فقدت «طليعيتها» واصبحت تابعة لا متبوعة وهي قضية تضاعف سلبية الخطاب المثالي في واقع غير مثالي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها