النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11721 الثلاثاء 11 مايو 2021 الموافق 29 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:14PM
  • العشاء
    7:44PM

كتاب الايام

الجاحـــظ والشيطــــــــان

رابط مختصر
العدد 8568 الإثنين 24 سبتمبر 2012 الموافق 8 ذو القعدة 1433

أَعَقْل الجاحظ تكوّن معتزليا... أم المعتزلة كونت الجاحظ عقلا معتزليا متميزاً... من كوّن من؟! لا المعتزلة كونت الجاحظ.. ولا الجاحظ تكوّن مُعتزليا!! العقل كوّن المعتزلة والجاحظ على حد سواء.. وكان العقل منطلق مواهب تفكيرية لكل اطياف وطبقات المعتزلة وغير المعتزلة في الفكر والفلسفة... إمعان العقل في الفكر وإمعان الفكر في العقل في محتوييهما الجدلي شكّل محور تنامي العقل في العقل فاستوى الفكر المعتزلي وتناضج في التاريخ وشكل عواصفه الفكرية في الاسلام.. ان تمعين العقل في تأمل نصوص الحياة في ترابطها وتفككها وتصادمها وتناقضها وتوالدها وتكاثرها وتناثرها واضمحلالها وفنائها يتشكل شيئا من هواجس المعتزلة في الانسان المسلم خلال تفكيره العقلي من واقع ان المعتزلة لهم الاسبقيّة في الاسلام برفض النقل والاخذ بالعقل... رفض صحف المنقول والاخذ بصحف المعقول.. أليست صُحف النقول منقولة وصحف العقول منقولة ايضاً؟! صحف العقول وصحف النقول في إخضاعها للعقل تصبح عقلا لا نقلا!! هكذا كان أبوعثمان عمرو بن بحر الجاحظ يدور فكراً في فلك النقل والعقل كما تدور أفكار عربية مسلمة وغير مسلمة حتى يومنا هذا!! وكانت الدّهشة لا تفارقني وانا أتصفّح هذا المعتزلي الفذ أبا عثمان الجاحظ المثقل قُبحاً ودمامة.. ومنظراً وجسداً ولوناً وشكلا.. وهو الشفّاف البهي النقي العذب الجميل الفكه الروح والأريحيّة الغزير والنّابهة في المعارف وأحسب ان دواخله الانسانيّة تضج بالمسّرة والبهجة في الحياة من اجل حياة أسرّ وأبهج وهو يستشرفها روحاً ويجسدها عقلاً معرفيا لحياة أسعد وأجمل!! وأجدني أتساءل فيه: هل تساءل الجاحظ النافر العينين المحفور الخدين المجدور الوجه الفاحم اللون... الجهم المتُهدِّل اللغاديد!! «لو يُمسخ الخنزير مسخاً ثانياً ما كان إلا دون قُبح الجاحظ لماذا تشيأه الله بالقبح والدمامة؟! والله في تشيئه في المظهر أم الجوهر؟! فكيف كان المظهر نقيض الجوهر... حقاً ان لله في خلقه شؤون!! أفي الخلق عقاب... أيعاقب المرء قبل أن يخلق؟! الشكل يأخذ مشيئة شكله... فالاشكال في عمومها منقولة أمّا خصوصية جوهرها فانها معقولة!! وإذا تشابهت المخلوقات بأجناسها عموماً في نقولها... فان العقول محكومة بعقلانية التباين.. فالناس تتشابه في أشكالها... إلا انها لا تتشابه في عقولها... وكانت جمالية روح ابي عثمان الجاحظ: مياه عذبة صافية تتدفق وتتلألأ رقراقة فكهة سعيدة متدثرة بجمالية الحياة في نفس إنسان يُجسد خيال العقل على طريق الواقع الملموس في الحياة!! فقد انحدر أبوعثمان الجاحظ في التاريخ من مخاض ثورة الزِّنج في البصرة وكانت ثورة من اجل الحرية وضد العبودية والتي انطلقت يوم وفاته (255هـ) ويوم ان فارق الحياة كان عمره 96 عاماً وهو لم يتزوج وربما قُبح شكله حال دون ذلك.. وكان مضرباً في القبح وحجة في العلم والادب والتأليف وكان معدماً يصطاد السمك من نهر الفرات ويشويه ويلفهه بالخبز ويبيعه «سندويشات» تلك الازمنة الغابرة.. وهو نادرة في حكم نوادره ومعارفه وآدابه يكرّس جلها اربا ومعارف وحكما ضمن افكار معتزلية متسائلة في نفسه وفي عقله يُحرك بها عقول المتلقين.. وعلى باب داره كان واقفاً اقتربت منه كاعبة من كواعب البصرة تتدافع إليه كقطاة عطشى الى غدير... وضوع عطرها ينفذ الى ثقبي منخاره المفرطح فوق شفتين منفوختين متهدلتين.... تلعثمت جوارحه فيها وتضارب النقل عنده في العقل... فتذكرّ الآية الكريمة: «وما تشاؤون الا ان يشاء الله» فقالت له في دلع ودلال وغنج «ان لديَّ فيك حاجة» وطلبت منه المشي في اثرها وهو يتشمم عطر اثرها... فأتت به الى احد الصاغة... واشارت بإصبعها الى الجاحظ قائلة: مثل هذا... وأقفلت عنه دابرة.. وكان ان طلبت من الصائغ ان ينقش صورة شيطان على فصِّ خاتمها.. واذا بالصائغ يعتذر قائلاً: ما رأيت شيطانا في حياتي فكيف لي أن أنقش صورته على خاتمك!! أكان الجاحظ يشاكل في دمامته وقبح منظره الشيطان... وهل الشياطين يمكن رؤيتها أم أنها انتحال لخيال النقل.... وكانت طفولتنا مصغوطة بأرواح الشياطين والحكام... وكانت قلوبنا تخفق خشية الشياطين والحكام... ونحن نتقرفص اللحاف على الفراش وكانت لا تغط عيوننا في النوم الا وحضور الشياطين لها وقع في أحلامنا... أكانت الشياطين تسكن الحكام أم الحكام تسكن الشياطين؟! 1- من كتاب (هكذا تكلمت المعتزلة) الذي يتمخض قريباً للنشر!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها