النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

لو أنَّ القضاء لطمني هذه اللطمة

رابط مختصر
العدد 8565 الجمعة 21 سبتمبر 2012 الموافق 5 ذو القعدة 1433

بعد أكثر من ثلاث سنوات من حصولهما على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية، حسمت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة المصرية، دعويين قضائيين، أقامهما عدد من رموز التيار الإسلامي لسحب الجائزة من اثنين من ألمع المفكرين الإسلاميين حصلا عليها عام 2009، هما «د. حسن حنفي» و«سيد القمني»، بدعوى أنهما لا هم لهما إلا الطعن في الإسلام وأحكامه وشعائره ورموزه، وإهانة العقيدة الإسلامية .. وانتهت المحكمة في الحكم الذي أصدرته منذ أسابيع إلى أن القرار الإداري الذي أصدره وزير الثقافة بصفته رئيسا للمجلس الأعلى للثقافة بمنحهما الجائزة، قد استوفي مراحله المختلفة، ولم يثبت انحراف جهة الإدارة بسلطتها في إصداره بل ثبت لها ـ على العكس من ذلك ـ أن الأسباب التي استند إليها المدعون في طلب سحب الجائزة هي التي لا أساس لها من الصحة. وليست هذه أول مرة تنظر فيها قضية من هذا البلاغ أمام جهة قضائية أو شبه قضائية، ففي عام 1908 اثيرت ضجة مماثلة حول الأطروحة التي حصل بها «د. منصور فهمي» - عضو البعثة الأولى من طلاب الجامعة المصرية إلى أوروبا - على درجة الدكتوراه من جامعة السوربون، وكانت تدور حول «تقاليد الزواج في الإسلام» فبادر صاحبها بالإساءة للرسول «صلى الله عليه وسلم» عند تناوله لظروف زيجاته من أمهات المؤمنين وقررت الجامعة سحب درجة الدكتوراه منه. وكان ذلك هو ما تعرض له الشيخ «علي عبدالرازق» عندما أصدر عام 1925 كتابه الشهير «الإسلام وأصول الحكم» فأثار ضجة سياسية، وفكرية ضخمة انتهت بانهيار الائتلاف الذي كان يحكم آنذاك، وبتقديم المؤلف إلى «هيئة كبار العلماء» أي هيئات الأزهر لمحاكمته تأديبيا، فقضت بتجريده من لقبه الأكاديمي إذ كان حاصلا على شهادة «العالمية» التي توازي ـ في الجامعات المدنية ـ درجة الدكتوراه. أما الدكتور «محمد خلف الله أحمد» فقد أثارت أطروحته التي قدمها إلى كلية الآداب بجامعة القاهرة عام 1946 بعنوان «الأدب القصصي في القرآن الكريم» وذهب فيها إلى قصص القرآن، هو قصص فني للعبرة والعظة ، وليس تاريخيا عاصفة كادت تقضي على مستقبله الأكاديمي لولا أن سانده الكاتب الكبير «توفيق الحكيم» لينتهي الأمر بحذف الفصول التي أثارت الاعتراض من الرسالة. وتعود أهمية قضية سحب جائزة الدولة التقديرية من «حسن حنفي» و«سيد القمني» إلى المكانة الخاصة التي يحتلها الاثنان في ساحة الاجتهاد لتجديد الفكر الإسلامي المعاصر بحيث يواجه تيارات التزمت الجمود، فالأول منهما، وهو أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة، هو صاحب مشروع فكري قومي في عدة مجلدات أبرزها «من العقيدة إلى الثورة» الذي استند المدعون إلى مقتطفات من بعض مجلداته، انتزعت من سياقها للتدليل على ادعائهم بأنه يحارب الإسلام، بينما هو جزء من مشروعه الفكري لتجديد التراث الإسلامي، والثاني باحث معروف بكتاباته عن التاريخ الاجتماعي للإسلام، من أهمها «النبي إبراهيم والتاريخ المجهول» و«رب الزمان» و«الأسطورة والتراث» و«الحزب الهاشمي». وعلى العكس من «حسن حنفي» الذي عزف دائما على الرد على الغارات الإعلامية التي يشنها المتشددون والمتزمتون ضد اجتهاداته فقد نزل «سيد القمني» بثقله ضد هؤلاء الخصوم ، وخاض معهم معارك فكرية عنيفة جعلتهم يركزون حملات الاتهام بالكفر والجهل والإساءة للدين عليه فيما بدا وكأنه ثأر شخصي بينهم وبينه أكثر منه خلاف فكري أو غيرة على الإسلام. على الضفة الأخرى يقف الداعية الإسلامية السلفي الشيخ «يوسف البدري» الذي كان أول من لجأ إلى القضاء يطلب سحب الجائزة من «حسن حنفي» و«سيد القمني» وهو صاحب أكبر مجموعة من القضايا أقيمت ضد الأدباء والفنانين والمفكرين منذ بداية الثمانينيات يطلب فيها مصادرة أفلام ومسلسلات وكتب بل ومصادرة إعلانات بعض الأفلام التي تعلق في الشوارع أو تتصدر دور السينما، انتصارات -فيما يقول- لدين الله وللأخلاق الإسلامية. وكان لافتا للنظر أن مجموعة أخرى من المحامين الإسلاميين يتصدرها «ثروت الخرباوي» قطب جماعة الإخوان المسلمين في نقابة المحامين ومع أنه قد انشق عنهم لأسباب تنظيمية، إلا أن عريضة الدعوى التي كتبها وبدأها بالإعلان عن موقفه المؤيد لحرية الرأي والتعبير ، كشفت عن أن فهمه لهذه الحريات لا يختلف كثيرا عن فهم الشيخ «يوسف البدري». وعلي العكس مما تصور الاثنان، فقد جاءت أسباب الحكم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري ، لتسجل عليهما أنهما لم يلتزما بالأمانة العلمية فيما استشهدا به مما ورد في كتب «د. حسن حنفي» التي قرأتها المحكمة لتكتشف أن المدعيين قد اقتطعا بعض العبارات من سياقها واستدلا منها على معان لم يقصدها الكاتب الذي انطلق في بحثه من إيمان بقدرة الدين الإسلامي على مجابهة مشكلات الإنسان المعاصر ولم يتوجه بالنقد إلا إلى تأويلات معينة بوصفها فهما بشريا للدين، طالب إعادة النظر فيها بما يتفق أحكام القرآن في إطار الدعوة إلى تجديد الفكر الإسلامي، وكان ذلك ما قالته الحيثيات نفسها، في تعليقها على ما انتزعه المدعون من سياقه في أعمال «سيد القمني» حيث قالت «إن اجتزاء العبارة أو القول تضيع معه أمانة النقل ويهدر سلامة القصد ويؤدي إلى سقم الفهم». وفيما يمكن اعتباره درسا في الأخلاق وفي العلم وفي الإيمان، قالت حيثيات الحكم «إن يقين المحكمة ثابت على أنه ليس من مخلوق على وجه الأرض يملك أن يفتش عقيدة غيره أو ينبش أفكاره ويجتز من كلامه ما يشكك في إيمانه وأن يرميه بالكفر والإلحاد ونقص الدين أو فساد العقيدة وليس لمسلم مهما علا كعبه في الإسلام على مسلم آخر مهما انحطت منزلته فيه، إلا حق النصيحة والإرشاد فليس في الإسلام من سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة». وهو ما ذكرني بمقولة «سعد زغلول» -زعيم ثورة 1919- الذي أقام أحد رؤساء الوزراء من خصومه دعوى قضائية ضده يوجه إليها فيها تهما كاذبة ، فلما رفضتها المحكمة .. قال سعد له لو أن القضاء لطمني هذه اللطمة .. لوقعت مغشيا علي .. وفارقت الحياة في الحال.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها