النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11930 الإثنين 6 ديسمبر 2021 الموافق غرة جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

عبدالرحمن البهيجان ونبش الذاكرة

رابط مختصر
العدد 8561 الإثنين17 سبتمبر 2012 الموافق 1 ذو القعدة 1433

يوم ان تضيق الزنزانة بحيطانها الاسمنتية ضغطاً على السجين... تطير به نفسه طيراً عذباً وتحط به حيث الاطفال والزوجة والاهل والحزب: يتحدّث معهم ويتحدّثون معه وينسى نفسه.. برهة.. برهة أنه في الزنزانة... يفيق على نفسه جاهشاً بألم الحسرة على الحريّة!! في الاشهر الثلاثة الاولى من الزنزانة (أيام التحقيقات القاسية) يُطبق الظلام ولا ترى النور الا بصيصاً منه في مكتب التحقيق... أنورٌ في مكتب التحقيق... ام نور في التحقيق ام نور في وجه مدير التحقيق؟! لا نور في مكتب التحقيق ولا نور في التحقيق ولا نور في وجه مدير التحقيق... كل الوجوه مغلقة النوافذ لا نور فيها!! وعلى حيطان خلوة قضاء الحاجه نتهامس بالكلمات: جلبوا فلان... واختفى فلان... وفرّ خارج الوطن فلان واستشهد فلان (وسمحوا بالزيارة) أطلب زيارة الاهل... يأتيني الجواب من نافذة الزنزانة «انت مراوغ... لا زيارة للمراوغين... يطل مدير السجن (ابوعبدالله) بلحيته التي تفترش صدره قائلا: ترفضُ الطعام... انت مضرب... اهز رأسي.. يفتح الزنزانة يُمسك بيدي ويأخذني الى الطابق الثاني في مكتبه يدفع الهاتف امامي ويقول هاتف اهلك واطلب زيارتهم.. وهو يأخذ المصحف بيده وينكس رأسه خاشعاً يتلو آيات بينات من كلام الله!! ارفعُ سمّاعة الهاتف وادير ارقامه رقما.. رقما.. قيأتيني صوتها صوت «نعيمة» نشيج روح يرضها الالم والفرح رضا!! ماذا أقول.. و(ابوعبدالله) اذنه في مصحف الله.. واذنه الاخرى على ما اقوله في الهاتف!! «بخير... بخير... ما علينا قصور... ما عليكم قصور في ماذا (؟!) في كل شيء والحمد لله... يا الهي... تصمت واصمت ويأتيني صوتها «انت تقرأ القرآن» لا.. لا.. هذا (ابوعبدالله) مدير السجن بجانبي وهو يقرأ القرآن!! تصمت... واصمت.. وارخي سمّاعة الهاتف في موضعها!! يغلق ابوعبدالله دفتي المصحف بعد ان يُقبّله وينزله برفق وخشوع على الطاولة امامه!! يأخذ بيدي الى الزنزانة ويُغلقها بهّمة... اقول بيني وبين نفسي وانا في حالة كبت نفسي لا استطيع ان اخرج شيئا من كبتها واريحها!! فاخاطب نفسي في كبتها.. كيف لي ان افهم مصحف الله عند مدير السجن (ابوعبدالله) الذي امر ان يُعلق َ عبدالرحمن البهيجان من كفيه مرفوعاً في الزنزانة الى ان ينهار معلقاً بكفين داميتين ممزقتين (!!!) أُعيد الكرّة الى نفسي هذا القرآن الكريم من قول الرحمن الرحيم في عدله ومساواته ينتفض ساخطاً وهو بين يدين ما تقوم به من عمل لا يليق لا بالدين ولا بالقرآن!! تذكّرتُ احد الجلادين الذي فرغ من تعذيب احد السجناء قائلاً لا تؤاخذني فأنا مأمور... وكان عذراً اقبح من فعل!! كل هذه الافكار طافت بي وانا اريد ان اكتب شيئا عن الراحل الفذ عبدالرحمن البهيجان ودوره الثقافي التنويري المرموق في مناهضة كراهية الظلام والرجعية منذ الخمسينيات وكان عبدالرحمن البهيجان عن حق زهرة فائحة بأريج علمانيتها ويساريّتها ووطنيتها وتنويريتها الثقافية منذ الخمسينيات مروراً بالستينيات والسبعينيات وما تلاها!! وكان الكثير من الشباب الوطني واليساري يعزون تأثرهم النضالي في شخص عبدالرحمن البهيجان!! يوم ان اتصلت بأم أمل اعزّيها بأبي أمل كان صوتها يأتيني مجروحا محزونا متقطعاً في الم موجوع عبر الهاتف على فراق عبدالرحمن البهيجان الذي سيبقى ورفاق دربه الأحياء منهم والأموات في ذاكرة الوطن... وما أضاعت ذاكرة الوطن احداً من خيرة ابنائها... ان ذاكرة الوطن مثل ذاكرة التاريخ التي لا تُهمل بذلاً انسانياً تنويرياً في سبيل المعدمين والمطحونيين على وجه الارض.. سلاماً (أبو امل) انسان الوطن الذي ما هان نشاطا ثقافيا تنويريا يسارياً من اجل نصرة الانسان والوطن في نبض حياته!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها