النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

الذين يحبون تحية كاريوكا.. والذين يحبون مصر!

رابط مختصر
العدد 8551 الجمعة 7 سبتمبر 2012 الموافق 20 شوال 1433

حرصت على أن أتابع مسلسل «تحية كاريوكا» الذي كتبه «فتحي الجندي» وأخرجه «عمر الشيخ» وقامت ببطولته الفنانة «وفاء عامر»، وعرض خلال شهر رمضان، ربما لأنني أردت أن أعرف المزيد عن «تحية كاريوكا» التي كانت جزءا من الذاكرة الفنية لجيلنا، والجيل الذي سبقه والجيل الذي تلاه، وربما لأن المسلسل ينتمي إلى ما يوصف بـ «الدراما السير الذاتية» التي تصاعد الاهتمام بها، وخاصة في التليفزيون خلال السنوات الأخيرة، وأصبح بعضها نموذجا للخلط بين الخيال الدرامي والوقائع التاريخية، والخلط بين التاريخ الفني والسياسي، وأثارت كثيرا من الإشكاليات التي تتعلق بالتاريخ والفن والسياسة. أول هذه الإشكاليات أن صنّاع هذا النوع من الدراما التليفزيونية قد اصطلحوا على تسميتها بـ «مسلسلات السيرة الذاتية» وهو استخدام خاطئ للمصطلح الذي يطلق في علم التاريخ على السيرة التي يكتبها بقلمه، أو يرويها بلسانه أمام الكاميرا، فيما يعرف بالمذكرات أو الذكريات، أما الذي تقدمه هذه المسلسلات، فهو سيرة لحياة الشخصية يكتبها السيناريست فهو ما يعرف في مصطلحات علم التاريخ بالسير أو التراجم.. من دون ذاتية. ومن بين هذه الإشكاليات كذلك أن صنّاع هذا النوع من المسلسلات ينطلقون من رؤية خاطئة ترى أن الهدف من تقديم سير الشخصيات السياسية والأدبية والفنية، التي لعبت أدواراً تاريخية، بارزة ليس رواية التاريخ الحقيقي لها، وتفسير الشخصية من وجهة نظر كاتب السيناريو، بل تقديمها كقدوة أخلاقية يحتذى بها المشاهد، بالتركيز على فضائلها الحقيقية أو المدعاة، فهي شخصية مثالية تتسم بالنزاهة والطهر والرغبة في التضحية من أجل الآخرين، وتتنزه عن الغيرة أو الأنانية، لا تكذب ولا تخادع ولا تتآمر ولا تسعى للإضرار بالآخرين، وليست لديها أي مشاعر بالمنافسة تجاه الآخرين الذين ينشطون في نفس المجال الذي تنشط فيه، وهي رؤية ساذجة تزور التاريخ وتضيف فيه، وتفسد الدراما، لأن الشخصية الدرامية لا تكون كذلك إذا كانت أحادية الجانب، لا تعاني أي تناقضات داخلية، لا تؤثر في المشاهد ولا تغريه بأن يتخذها قدوة، لأنها تتميز بصفات ملائكية لا يجدها في نفسه كبشر يخطئ ويصيب ويكذب أحيانا ويغار ويشعر بالمنافسة مثل بقية خلق الله. في هذا السياق قدم المسلسل شخصية «تحية كاريوكا» باعتبارها شخصية مثالية تجمع في شخصيتها بين كل الفضائل، لا تفعل إلاّ كل ما هو صواب، وهو دائما على حق والمحيطين بها باستثناءات قليلة، هم دستة أشرار، من «حورية محمد» التي منعتها في بداية حياتها من تقديم الرقص الشرقي، إلى «سامية جمال» التي كانت تغار منها وتدس لها، لأنها رفضت أن تلعب الدور الذي كانت تلعبه في قصر الملك «فاروق»، إلى أزواجها المتعددين الذين خانها معظمهم مع أخريات من بينهن بعض صديقاتها، وحاول بعضهم منعها من ممارسة الفن، لأنهم يغارون منها أو عليها. ولم يكتف المؤلف بذلك بل أصر ـ كالعادة الشائعة في هذا النوع من المسلسلات ـ على أن يصطنع تاريخاً سياسياً ووطنياً، في مقاومة الاحتلال البريطاني، فأضاف إلى أحداث المسلسل شخصيات تاريخية مهمة، لا صلة لها بحياة كاريوكا، ولا بالدور الرئيسي الذي لعبته في تاريخ الفن كراقصة وممثلة، مثل «الملك فاروق» و«مصطفى النحاس» و«مكرم عبيد» و»أحمد حسنين» و«صلاح سالم» و«أنور السادات» الذي لم تكتف «تحية كاريوكا» ـ طبقا لما قاله المؤرخ الذي كتب المسلسل ـ بإخفائه في مزرعة أختها حين كان هاربا من مطاردة الشرطة، بل وتعاونت معه في تهريب السلاح إلي الفدائيين الذين يقاومون الاحتلال في منطقة قناة السويس! وبسبب هذا الإصرار على أن تكون «تحية كاريوكا» قدوة لهواة الرقص والتمثيل والنضال الثوري، اصطنع المسلسل حوادث أوقعته في أخطاء تاريخية لا أول لها ولا آخر، فالفترة التي هرب فيها السادات من الشرطة، بعد فصله من الجيش، بسبب اتهامه بالاتصال بجواسيس ألمان، كانت في بداية الأربعينيات ولم تكن في النصف الثاني منها بعد اتهامه بالمشاركة في اغتيال أمين عثمان، ولم يكن من الوارد آنذاك أن تخفيه تحية كاريوكا في مزرعة شقيقتها أو أن تتعاون معه في تهريب السلاح إلى الفدائيين لأنها ـ كما ظلت تردد في كل مشهد من مشاهد المسلسل ـ بتحب مصر قوي! ذلك مثال واحد للأخطاء التاريخية الفاحشة والكثيرة التي وقع فيها صناع المسلسل، بسبب إصرارهم علي أن يقدموا «تحية كاريوكا» باعتبارها قدوة للرقص الشرقي وللنضال الوطني، تكشف عن أنهم ربما كانوا يحبون تحية كاريوكا قوي.. لكن المؤكد أنهم لم يكونوا مثلها يحبون مصر قوي!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها