النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

الحركة التي خَفَتَ بريقها وانتهت صلاحيتها

رابط مختصر
العدد 8539 الأحد 26 أغسطس 2012 الموافق 8 شوال 1433

مع انعقاد موتمر القمة السادس عشر لحركة عدم الانحياز في العاصمة الإيرانية في أواخر شهر أغسطس الحالي يثور التساؤل حول جدوى وجود مثل هذه الحركة واستمرار انعقاد قممها التي يحاول بعض أعضائها من خلالها الخروج من عزلتهم الدولية المريرة وتلميع صورة أنظمتهم القمعية البائسة. نعم، كان للحركة بريقها وجدواها ومبرراتها زمن الحرب الباردة، وفي حقبة الثنائية القطبية والتنافر الايديولوجي ما بين المعسكرين الشرقي والغربي، مثلما كانت لها دواعيها في عصر حروب الاستقلال التي خاضتها دول وشعوب العالم الثالث للانعتاق من قيود المستعمر الاجنبي وجبروته، خصوصا قبل اختفاء آبائها المؤسسين موتا أو اغتيالا أونفيا أوخروجا من السلطة. غير أن كل هذه العوامل التي أملت في خمسينات وستينات القرن الماضي قيام الحركة، بدءا من الاجتماع التمهيدي في قمة الدول الأفرو آسيوية في باندونغ في إبريل عام 1955 التي خصصت لوضع الخطوط العريضة للسياسات الخارجية لدول العالم الثالث المتحررة وفق المبادئ الخمسة المعروفة باسم «البانجشيلا» (السلام والتعايش السلمي، تعزيز المصالح المشتركة وتبادل المنافع، احترام سيادة الدول واستقلالها، الامتناع عن تهديدها أو الاعتداء عليها، عدم التدخل في شؤونها الداخلية) ومرورا باجتماعات قادة هذه الدول في نيويورك على هامش الدورة السنوية الخامسة عشرة للأمم المتحدة في أكتوبر عام 1960، وانتهاء بأول قمة رسمية للحركة في بلغراد في سبتمبر عام 1961، صارت شيئا من الماضي الذي لا نجد له ذكرا سوى في الكتب العتيقة. وهكذا فإن الاصرار على إبقاء هذه الحركة تحت عنوانها المذكور، الذي كان أول من اقترحه هو وزير الدفاع الهندي «كريشنا مينون»، رفيق رئيس الحكومة الهندية الأسبق «جواهر لال نهرو» أثناء اجتماع للأمم المتحدة في عام 1953، والإنفاق على اجتماعاتها بسخاء هو ضرب من ضروب العبث واللاوقعية السياسية، وإغفال متعمد للمتغيرات الدولية التي شهدها العالم منذ أوائل تسعينات القرن الماضي حينما سقطت الثنائية القطبية بانهيار الاتحاد السوفيتي وكتلته الإشتراكية، وبالتالي انتفى شيء يبرر وقوف دول العالم الثالث على مسافة واحدة من قطبين متناحرين لأنه لم يعد هناك قطبان أصلا. هذا علما بأن دولا كثيرة ضمن الحركة (وفي مقدمتها الدول المؤسسة كمصر والهند) في أوج قوتها لم تستطع الوقوف موقف الحياد، وإنما انحازت إلى هذا الطرف أو ذلك عبر اتفاقيات دفاعية واستراتيجية تم تبريرها وقتذاك بـ «مقتضيات المصلحة الوطنية العليا»، بل إن الحركة فشلت أيضا في ما كانت تسميه بـ «الحياد الإيجابي» أي تقريب وجهات النظر ما بين المعسكرين المتخاصمين للحيلولة دون اصطدامهما أو شنهما حروبا ضد بعضهما البعض بالوكالة، دعك من فشلها في إيجاد حلول عملية سريعة للحروب والصراعات والأزمات ما بين دولها، بسبب عدم امتلاكها للقدرات والأدوات اللازمة لذلك (الحرب العراقية – الإيرانية، والصراع حول الصحراء الغربية، والنزاع الهندي-الباكستاني، والملف الأفغاني مثالا). هذا ناهيك عن أن دولة مؤسسة للحركة مثل يوغسلافيا تحت قيادة «جوزيف بروز تيتو» سرعان ما عادت للتعاون والتفاهم مع القطب السوفياتي والارتماء في أحضانه من بعد فترة قصيرة من التمرد الإيديولوجي عليه. وإذا كان بعض الدول الاعضاء مثل كوبا – ومعها شريكاتها اليساريات في إمريكا اللاتينية وفي المقدمة منهن فنزويلا تحت قيادة زعيمها الراديكالي الحالي «هوغو شافيز - يرى في استمرار الحركة جدوى لاستخدامها كمنبر صوتي وإعلامي ضد ما تسميه مقاومة الامبريالية والامبريالية الجديدة، وصون الاستقلال وحرية القرار الخارجي، ومحاربة العنصرية والهيمنة والتدخلات الخارجية، وضمان العدالة والمساواة، فإن منابر أخرى عالمية وإقليمية كمنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الدول اللاتينية ومنظمة الاتحاد الافريقي والجامعة العربية يمكنها أن تقوم بمثل هذا العمل بطريقة أفضل لأن مواثيقها جميعا تؤكد على تلك المبادئ المستمدة أساسا من ميثاق المنظمة الأم (الأمم المتحدة)، خصوصا وأن تلك المبادئ أصبحت موضع إجماع العالم كله. وقد يقول قائل إن الحركة ذات فائدة لجهة التعاون الاقتصادي والثقافي والبيئي المشترك ما بين أعضائها الكثر، وإنها استوعبت فكرة تغيير أهدافها مبكرا، وقبل اختفاء الثنائية القطبية بزمن طويل. والشق الثاني من هذه المقولة صحيح! ففي منتصف السبعينات لاحظ المراقبون أن الحركة، بمبادرة من الزعيمة الهندية الراحلة أنديرا غاندي التي كان يؤرقها وقتذاك ارتفاع أسعار النفط بصورة صاروخية، تتجه نحو تغيير دورها من التركيز على الشئون السياسية والأيديولوجية إلى التركيز على المسائل الاقتصادية والتجارية والبيئية والتكنولوجية، الأمر الذي جعل دورها أقرب إلى مجموعات مثل مجموعة الـ 77 للحوار ما بين الشمال والجنوب، ومنظمات مثل «الغات» ووكالة الأمم المتحدة للتعاون والتجارة، وبالتالي غابت القضايا السياسية عن محافلها فيما عدا قضية الشرق الأوسط والصراع العربي – الإسرائيلي المزمنة. غير أن هذا القول رغم صحته لا يعني أن بمقدور حركة عدم الانحياز تحقيق نتائج باهرة في الحقول المذكورة، لأنها تعاني من غياب البوصلة السليمة بحكم تنافر سياسات أعضائها، وتنوع تحالفاتهم وارتباطاتهم، واختلاف مصالحهم، وتفاوت درجات نموهم الاقتصادي، وتباين رؤاهم حول مسائل التنمية الاقتصادية، ونقل التكنولوجيا، والعولمة، وسياسات السوق، والحد من انتشار الأسلحة. ويكفي دليلا على صحة قولنا هذا أن دولة مؤسسة للحركة مثل قبرص فضلت الانسحاب منها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأن الكيانات المستقلة التي ظهرت على الساحة الدولية جراء تفتت دولة مؤسسة أخرى (يوغسلافيا) لم تبد حماسا للإنضمام إلى الحركة. هذا ناهيك عن الدعوات التي تموج بها الوسائل الإعلامية والمنتديات الفكرية في الهند التي لعبت دورا محوريا مع مصر ويوغسلافيا في تأسيس الحركة، وكلها دعوات محورها انتفاء الأغراض والأهداف التي قامت من أجلها الحركة زمن «جواهر لال نهرو» وسياساته الخارجية التي كانت تهدف إلى استخدام منبر حركة عدم الانحياز لجمع الدول الأعضاء وغيرها حول بلاده في مواجهة باكستان من جهة والصين من جهة أخرى. لقد ظهرت الحركة في زمن مختلف عما نعيشه اليوم لخدمة أهداف وقضايا محددة. وكان بروزها وانطلاقها وجماهيريتها مرتبطة أساسا بكاريزما آبائها المؤسسين وتاريخهم الوطني من أمثال عبدالناصر في مصر، ونهرو في الهند، وتيتو في يوغسلافيا، وسوكارنو في إندونيسيا، وكوامي نكروما في غانا، والأسقف مكاريوس في قبرص، وأونو في بورما، وسيهانوك في كمبوديا، وكاسترو في كوبا، لكن لا تلك القضايا حاضرة ولا أولئك الرموز موجودون على قيد الحياة اليوم (باستثناء كاسترو الكوبي). كما أن الحركة لا زالت، كما كانت يوم تدشينها، تفتقد آليات تحقيق المهمة المحورية التي جندت لها نفسها وهي السلام والتعايش السلمي بين الأمم. وهكذا فإنه من الأجدى أن تـُرحل الحركة إلى زوايا النسيان قبل أن يستغل منصّتها الشوفينيون والإرهابيون والخارجون على القانون لتلميع صورهم وأجنداتهم الخاصة المريبة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها