النسخة الورقية
العدد 11147 الأربعاء 16 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:09PM
  • العشاء
    6:39PM

كتاب الايام

ورطة الرئيس.. بين المجلس العسكري والأغلبية الأخرى

رابط مختصر
العدد 8537 الجمعة 24 أغسطس 2012 الموافق 6 شوال 1433

لم يكن أحد في مصر -وربما خارجها- يتصور أن تقود تداعيات الهجوم الإرهابي الذي أسفر عن استشهاد 16 من جنود إحدى نقاط حرس الحدود في سيناء، إلى انتهاء المرحلة الثانية بعد ثورة 25 يناير، وجلاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة عن السلطة السياسية، وإحالة رئيسه المشير «محمد حسين طنطاوي» ونائبه الفريق «سامي عنان» إلى التقاعد، وإلغاء الإعلان الدستوري المكمل الذي كان يستند إليه في ممارسة بعض السلطات السياسية، ومن بينها ممارسة سلطة التشريع، وسلطة إعادة تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور إذا ما حكم القضاء ببطلان التشكيل الحالي للجمعية، وسلطة الاعتراض على بعض نصوص مشروع الدستور إذا ما تبين أنها تتعارض مع أهداف الثورة ومبادئها الأساسية أو مع ما تواتر من مبادئ في الدساتير المصرية السابقة، فضلا عن اختصاصه بتقرير كل ما يتعلق بشؤون القوات المسلحة.. لتنتهي بذلك ثنائية السلطة. ولأن الحادث كشف عن أن سيناء قد أصبحت ساحة مفتوحة أمام العناصر الإرهابية التي استغلت تحديد الوجود الأمني والعسكري بها تطبيقاً للملحق الأمني لمعاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية وتلاشي هذا الوجود بعد ثورة 25 يناير، بسبب انهيار جهاز الأمن، وانشغال القوات المسلحة بتأمين الأوضاع داخل البلاد، وتدفق الأسلحة إلى مصر ومنها إلى سيناء عبر الحدود الغربية والجنوبية فقد توهم الكثيرون أن حادث الحدود باعتباره خطرا على الأمن القومي المصري سوف يؤدي إلى توحيد الجبهة الداخلية، ويزيل أثر ثنائية السلطة ويوحد القوى السياسية المصرية ضد العدو الخارجي.. فتعددت اللقاءات والاتصالات والجولات التفقدية المشتركة إلى سيناء، بين رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ووصلت إلى حد عقد اجتماعين أحدهما للمجلس الأعلى والثاني لمجلس الدفاع الوطني، برئاسة الرئيس وبدا وكأن العلاقات على القمة سمن على عسل.. وأن حادث سيناء قد أزال كل الحساسيات والشكوك بين الطرفين. لكن هذا التحليل الذي استند إلى محاولة تصوير الحادث باعتباره خطاً خارجيا واتهاماً لإسرائيل بأنها التي خططت له ونفذته، بهدف الإيقاع بين مصر وبين الحكومة الإسلامية في غزّة، سرعان ما فقد تأثيره وبمصداقية ليس فقط لأن الذين خططوا له ونفذوه كانوا من المصريين الذين ينتمون لجماعات إسلامية متشددة، توطنت في سيناء منذ سنوات، لكن -كذلك- لأن التيارات السياسية المصرية المعارضة لحكم الإخوان المسلمين وضعت فأس المسؤولية عنها في رقبتهم، باعتبارهم المسؤولين عن السياسة التي اتبعتها الحكومات المصرية بعد الثورة تجاه الحكومة الإسلامية بقطاع غزّة، مما أدى إلى فتح معبر رفح بشكل دائم، وترك أكثر من ألف نفق على الحدود بين مصر والقطاع تعمل بحرية كاملة، ومن دون أي رقابة فعالة، تحول دون تهريب السلع الأساسية التي يحتاجها المصريون إلى غزة، وتضمن أمن مصر القومي بما يحاول دون توريطها في حرب مع إسرائيل، في أقل الأوقات ملائمة لذلك بالنسبة لها، خاصة أن حكومة غزّة التي التزمت بوقف العمليات العسكرية ضد إسرائيل تسعى -في رأي هؤلاء- إلى تصدير المتشددين الإسلاميين لديها، الذين حاولوا القيام بمثل هذه العمليات من داخل القطاع إلى سيناء لكي يقوموا بعملياتهم ضد إسرائيل من الحدود المصرية، وهو الهدف الذي كان يسعى إليه الذين قاموا بالعملية الأخيرة ضد النقطة الحدودية بسيناء حتى تتوقى حكومة غزة دفع الثمن.. وتدفعه مصر. وفي الرد على ذلك، ذهب المتحدثون باسم الأحزاب والتيارات الإسلامية المساندة، للرئيس مرسي، وفي طليعتهم حزب الحرية والعدالة، إلى وضع فأس المسؤولية عن حادث سيناء في رقبة المجلس الأعلي للقوات المسلحة لانشغاله بممارسة السياسة عن أداء مهامه الأساسية في حفظ الحدود، وإن لو كانت قد عادت للقيام بهذا الدور لما وقع الحادث! وكان يمكن ان تظل المسألة في حدود الجدل السياسي، لو لا أن فريقا من التيار الأول انتهز فرصة تشييع جثامين شهداء حادث سيناء للتعبير عن سخطه المتراكم علي ما يصفه بأنه هيمنة جماعة الإخوان المسلمين للهيمنة علي كل مفاصل الدولة، والذي تصاعد بعد أن نكث الرئيس علي تنفيذ وعوده بتشكيل حكومة ائتلافية تضمن ممثلين للقوى التي شاركت في الثورة، وتشكيل مجلس رئاسي يضم ممثلين لأطياف المجتمع، فتصاعدت الهتافات ضد الرئيس وضد رئيس الوزراء، ورفع البعض الأحذية في محاولة للاعتداء عليه، وتلقى الرئيس -الذي كان في طريقه للمشاركة في الجنازة- نصيحة من رجال الأمن دفعته للعودة من حيث جاء. ورداً على ذلك تتالت خطوات تبدو انفعالية وغير محسوبة سياسيا، فصدرت حركة تعيين رؤساء تحرير الصحف القومية، التي كان هناك اتجاه عاقل داخل حزب الحرية والعدالة يطالب بتأجيلها، وحاصر فريق من أنصار حزب الحرية والعدالة مدينة الإنتاج الإعلامي للاعتداء على عدد من مقدمي البرامج التليفزيونية التي وصفت بأنها معارضة، وأغلقت إحدى هذه القنوات بقرار إداري، وصودرت إحدي الصحف، وأصدر الرئيس عدّة قرارات بإقالة عدد من المسئولين في الشرطة وفي القوات المسلحة بتهمة تقصيرهم في تأمين موكب الجنازة.. ولم تشمل هذه الإقالات أحدا ممن لهم صلة بالحادث سوي محافظ شمال سيناء. وفي سياق هذه الإجراءات الانفعالية، أكمل الرئيس جميله، فأصدر قرارات إحالة رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة ورئيس الأركان إلى التقاعد ويعينهما كمستشارين برئاسة الجمهورية، وإحالة قادة القوات البحرية والجوية والدفاع الجوي للتقاعد. أما المؤكد فهو أن الذين أشاروا على الرئيس باتخاذ هذه الإجراءات الانفعالية غير المدروسة أو المحسوبة سياسيا، قد ورطوه في موقف سوف يزيد المصاعب التي سوف تواجهه، لأنها أطاحت بالذريعة التي كان يستند إليها أنصاره في تبرير بطء بعض الإجراءات وعدم وضوح بعض السياسات، وهي أنه ليس كامل الصلاحيات. أما وقد أصبح الآن يحوز الصلاحيات ويجمع بين كل السلطات، سلطة السيادة وسلطة التنفيذ وسلطة التشريع، وبين الشرعيتين الثورية والدستورية، فإن أحداً «لن يقبل منه اعتذارا»، إذا أجبرته الظروف على التقصير في مواجهة مشكلات بلد هو أول من يعلم أنه ليس بتجميع السلطات في يد واحدة، تحل مشكلاته. وما نسيه الذين أشاروا باتخاذ هذه الإجراءات، أن الرئيس قد فاز بمنصبه بأغلبية ضئيلة، وأن حوالي نصف الناخبين لم يمنحوه أصواتهم، وإذا كان ذلك يعطيه الحق دستوريا في أن يتولى السلطة التنفيذية، فإنه لا يعطيه الحق من الناحية السياسية في أن يتجاهل الذين لم ينتخبوه انطلاقا من القاعدة الثابتة التي تقول إن الديمقراطية ليست فقط حكم الأغلبية، ولكنها -كذلك- ضمان حقوق الأقلية، فكيف فات على مستشاريه أن يلاحظوا أن نتيجة الانتخابات الرئاسية قد أسفرت عن أغلبيتين، أو عن أقليتين، وأنه ليس من حق الرئيس أن يتجاهل حقيقة أن قسما ملحوظا من الأغلبية الأخرى كان يجد في بقاء المجلس العسكري على خريطة السلطة خلال ما تبقى من الفترة الانتقالية، ضمانا لهم من سياسة الهيمنة التي تسعي للانفراد بكل السلطات والسيطرة على المستقبل من خلال الانفراد بوضع الدستور، الذي سينفرد الرئيس بتشكيل اللجنة التي تضعه في حالة الحكم بعدم مشروعية اللجنة القائمة.. وهو احتمال كبير.. إن لم يكن مؤكدا. أما الذي لا شك فيه، فإن الذين أشاروا بهذه الإجراءات قادوا الرئيس إلى ورطة، ويقودون الوطن لإنتاج نظام استبدادي لا يختلف عن النظام الذي أسقطته الثورة. ورحم الله صديقي الشاعر أمل دنقل الذي قال: لا تحلموا بعالم سعيد.. فخلف كل قيصر يموت.. قيصر جديد!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها