النسخة الورقية
العدد 11059 السبت 20 يوليو 2019 الموافق 17 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

واقع مسرح الطفل في خليجنا العربي

رابط مختصر
العدد 8531 السبت 18 أغسطس 2012 الموافق 30 رمضان 1433

ورقة مقدمة من يوسف الحمدان اسمحوا لي أن أستعير أو أستلف لغة الطفل للحديث عن واقع مسرح الطفل في خليجنا العربي، أو على الأقل أستحضرها من الطفل الذي كان يسكنني منذ خمسين عاما، أو الذي لا يزال بعد يشاغبني ويشاكسني حتى يومنا هذا، ذلك أنه يهمني جدا أن تكون هذه الذاكرة في متناول أطفالنا في الخليج العربي وفي متناول من يهمه شأن مسرح الطفل فيه أكثر من حصرها وتفصيلها على مقاس ثوب الباحثين والنخبة منهم في مسرح الطفل، وكم كنت متعطشا لوجود وحضور الأطفال المسرحيين أو المهتمين منهم بمسرح الطفل في أية ندوة أو فعالية تقام من أجل تناول موضوع يخص الطفل، ذلك أنه من المهم جدا أن نستمع إلى آرائهم وانطباعاتهم قبل أن نكون ممثلين بالنيابة عنهم في كل أمر يخصهم، أو ناقلين لهم ما استمعنا إليه أو تحاورنا فيه وحوله في هذه الندوة أو في ذاك اللقاء .. في عام 1960، وكان عمري حينها أربع سنوات، كانت تزور بيتنا القديم الكائن بمدينة الرفاع الشرقي امرأة في العقد الخامس من عمرها، وربما أقل من هذا العمر قليلا، اسمها فاطمة بنت عيسى، وكنت أسميها فاطمة الغريبة، وكانت مربوعة القامة وسمحة الوجه والمحيا، وهي صديقة عزيزة وغالية على العائلة التي سمح لي العمر بأن أعيش في كنف جدتين بينها، أم لأبي وجدته أيضا، كانت تزور بيتنا يوميا تقريبا، وكانت تجمعني وأخواتي الست كل مساء، في الشتاء في دارنا الطينية وفي الصيف على سجم حوشنا الكبير وهو أشبه بالسرير الذي يضم العائلة كلها وأشبه بالصالة الصيفية الكبيرة المفتوحة التي يلتقي فيها أفراد العائلة، كنا نتحلق حولها بلهفة كبيرة من أجل الاستماع إلى حكايات مخيلتها الشعبية التي تتنقل بنا من أسطورة إلى خرافة إلى حكاية هي تؤلفها بمخيلتها المفتوحة على عالم واسع هي تراه ونحن نتخيله، وكانت طريقة سردها للحكايات اليومية مشوقة أو شائقة، كانت في أغلب الأحيان تسرح بمخيلتنا إلى عوالم غريبة نوشك أن نراها ونعيشها، وكانت أقرب في طريقة تصورها للحكايات التي تسردها للراوي أو الحكواتي في المسرح، تتكلم قليلا، تصمت بعض الوقت ثم تعود لتنقلنا إلى أحداث أخرى، ونحن، أنا وأخواتي نلح عليها، أكملي وماذا بعد ؟ تبتسم، تربت على أكتافنا، تعبث بود بيدها في شعر أخواتي، ثم تواصل الحكاية، وكنت أتخيل الحكاية وكما لو أنها تجري أمامي على خشبة المسرح، تستيقظ مخيلتي، يغادرني النوم، تنام أخواتي وأنا لازلت فاتحا عيني بسعتيهما، تسألني وهي تضحك: لماذا لم تنم بعد؟ أجيبها: أريد حكاية أخرى، تحثني بود: نم الآن واحلم بحكايتك وغدا قل لي ماذا حلمت؟ وقد رافقتني حكاياتها سنوات ورافقتني أحلامي التي أسردها لها إذا حلمت أو أوهمتها أنني حلمت كي أجعلها قريبة مني أكثر ومن أحلامي، وأكون أنا شخصيا أقرب إلى مخيلتها الحالمة التي كم أزعجني حينما كبرت بأنني لم أفكر في تدوين حكاياتها التي ربما ستكشف عن موهبة روائية أو قاصة شعبية من الطراز الأول سيتعلم الكثير من الأطفال في خليجنا العربي من مخيلتها المفتوحة بلا نهايات على العالم الذي نعيشه والعالم الذي نتخيله .. لقد كانت فاطمة بنت عيسى مشعل المخيلة الأول في حياتي المسرحية عندما كنت طفلا رافقها ما يربو على الخمسة أعوام يوميا تقريبا، بل كنت أحيانا أتخيلها وأحلم بها وكما لو أنها لم تزل بعد تسكن مخيلتي وأحلامي .. في منتصف ستينيات القرن الماضي، القرن العشرين تحديدا، كنت حينها طفلا في المرحلة الابتدائية بمدرسة الرفاع الشرقي القديمة، وهي أول مدرسة تنشأ في الرفاع، ولم يوجد بها حتى صالة صغيرة لممارسة هواية التمثيل، شأنها أو مثلها في تلك الفترة شأن أغلب مدارس البحرين، ولكن كانت دروس المحادثة والقصص الحرة التي كنا نتلقاها والتي لا زلت اذكر بعضها مثل (سرحان بين الغيط والبيت) أو (سعاد ودجاجها) أو (لك يوم) أو (العنزات الثلاث)، كانت تلبي بعض رغبتنا في التمثيل، إذ كنا نتخيل أحداثها ونحاكيها أثناء الدرس أو بعده وبمتعة كبيرة تثير الضحك بيننا، خاصة ما إذا تخيلنا أشكال بعض الشخصيات الكارتونية التكوين كسرحان الذي يقع في مقالب كثيرة ومضحكة في رحلته من (البيت) إلى الغيط (الحقل)، وهي قصة تربوية عظيمة تدعو إلى التفكير والإبداع وتطفئ النمطية والغباء، ومفاد هذه القصة أن سرحان كان حرفيا في سلوكه غير مبدع ولا مفكر، فعندما أرسلت أمه معه بعض النقود لجدته حملها سرحان في يده فسقطت منه في الطريق وهو لا يدري، فعاد سرحان يبكي فقالت له أمه: لقد أخطأت يا سرحان بحملك النقود في يدك، كان عليك يا بني أن تضعها في جيبك، وعندما أرسلت معه كمية من الزبد لجدته تذكر نصيحة أمه السابقة، فوضع الزبد في جيبه، وأنصهر الزبد من الحرارة وحدث ما حدث، فرجع باكيا إلى أمه فقالت له: كان عليك يا سرحان أن تحمل الزبد في يدك، وبعد مدة أرسلت معه خروفا صغيرا لجدته، فتذكر آخر نصيحة لأمه فحمل الخروف بين يديه، فأنهكه التعب واتسخت ملابسه فقالت له جدته: كان عليك أن تربط الخروف في حبل وتجعله يسير خلفك، وعندما أرسلت معه دجاجة إلى جدته تذكر نصيحة جدته يوم الخروف، فربط الدجاجة من عنقها وجرها خلفه فاختنقت الدجاجة وماتت .. هل تخيلتم معي الآن شكل سرحان؟ ألا تدعوكم هذه الشخصية حينما كنتم أطفالا إلى تمثيلها؟ لم نكن نسأل حينها لماذا لا يوجد مسرح بالمدرسة يلبي رغبتنا ويكتشف ميولنا المسرحية، لأن مسرح الطفل بشكل عام في البحرين كلها غير موجود وغير معروف آنذاك، كان مسرحنا هو مخيلتنا التي نطل من خلالها على أحداث هذه القصص ونحاكيها أو نقلدها بعد انتهاء الدرس، ومدرس القصص الذي كان يشبه الراوي في المسرح في طريقة قراءته للقصة أو حفظه لها عن ظهر قلب أو إضافته بعض نكهات التشويق من مخيلته عليها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها