النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

أبعاد

ذاكـــــــــرة المكــــــان

رابط مختصر
العدد 8516 الجمعة 3 أغسطس 2012 الموافق 15 رمضان 1433

وإن غادرنا المكان فإنه قطعاً لا يغادرنا.. يظل ساكناً هناك في زوايا ربما اعتقدنا انها معتمة وضبابية لكنها فجأة تنير بتفاصيل المكان ودقائقه الصغيرة على نحوٍ مدهش فيا لقوة الذاكرة اذا ارادت ان تتذكر ويا لقوتها اذا ارادت ان تنسى. انها مفارقة القدرة البشرية او النفس البشرية العجيبة في التكيف والتبدل وايضاً التغير واعتقد انهم قليلون ونادرون اولئك الذين فقدوا طعم الحياة والقدرة على الحياة عندما غادروا اما كنهم الاولى.. صحيح انهم يتألمون ويتحسرون لكنهم في النهاية قادرون على الاستمرار والتكيف مع المكان الجديد. وبين هذا وذاك تظل ذاكرة المكان نابضة داخلهم لا تتوقف أبداً عن استعادة صور وحكايات وروايات ولذا استعان علماء الطب النفسي مع مرضاهم ممن فقدوا الذاكرة على الاماكن القديمة يأخذون اليها مريضهم لتساعده على التذكر.. فكيف اكتسبت الاماكن كل هذا الحضور الطاغي في ارواحنا التي كلما وهنت او شاخت استعادت حيويتها بالعودة الى الاماكن القديمة تستحضر حياتها وحيويتها فيعود الألق الى ارواحنا. سنصطدم هنا ولا سيما الكبار والمعمرون بركب التطوير والتبديل يطرأ على اماكنهم القديمة فيعارضون بقوة وبقسوة لكنها سنة الحياة وقانونها وشرط بقائها الازلي. الاماكن ليست احجاراً واخشاباً لكنها حياة وبشر وهذا هو الاهم في العلاقة الطردية بين المكان والانسان الذي لا يرتبط بحجر ولكنه يرتبط ببشر يراهم في المكان وان نما دوره ويرى حياة اخرى وان غادرها وتبدلت وتغيرت. ليست حالة نوسنالجيا «حنين» كما يعتقد البعض منا ولكنها استعادة شطر من العمر لا يمكن استعادته إلاّ بذاكرة المكان ننساب شريطاً مصوراً من الطفولة او الصبا او الشباب الاول.. وقد رأيت بعضهم يبكي المكان حين عانقه وحين اقترب من تضاريسه.. فهل الوطن الذي نشتاق ونحنّ ونذوب اليه حين نسافر ويطول الغياب بنا.. هل هذا الوطن مكان؟؟ سنختلف وسأكون اول المختلفين في اختصار واختزال الوطن في مجرد «مكان» لكنه ايضاً يشكل في مساحاته مكاناً او عدة امكنة وساحات ومساحات هي العمر كله. الوطن بين كل ما يعنيه هو ايضاً جزء من المكان ولذا فذاكرة الامكنة تندس في الخلايا الصغيرة منا.. ولها للامكنة رائحة كما قال صبري موسى في روايته التي تحمل ذات الاسم ونشرها منتصف السبعينات عن مطبوعات روز اليوسف واذا به ذلك الروائي الجميل الذي مات مبكراً يشم رائحة الاحبار والاوراق ويقف امامها طويلاً في مبنى الدار واذا بها شخوص وافراد وبشر يتحركون ويتحدثون ويغوصون في المشاكل والقضايا والعواطف والملفات واذا برائحة الامكنة تتحول ونحن نقرؤها في تلك الرواية الى عطرٍٍ لا حبر وورق وتلك روعة ذاكرة المكان وحكايات المكان ورواياته الصغيرة والبعيدة. في تصورنا ان كل فردٍ فينا قادر على كتابة «مكانه» في كتاب ربما حمل تجربة عمر وذاكرة جيل.. فلماذا لا نسجل ذاكرة الاماكن بوصفها نبضاً شعبياً لحياة بشر عاشوا هنا وكانوا هنا ومروا من هنا؟.. لماذا لا نجعل الاماكن تنطق وتحكي وتروي حياة من كان فيها بشكل انساني اوسع واعمق من مجرد رواية لتاريخ المكان؟ تكون اقرب الى التقرير الرسمي منها الى رواية الحياة ونبض الناس الذين كانوا جزءاً من ذلك المكان.. فالمكان بناسه وأهله وبمن عاش فيه. واحد اسئلة لحظة المكان وذاكرة المكان هل كل ذاكرة الامكنة جميلة وسعيدة معطرة بالروايات والاحداث الرائعة رغم بساطتها ام ان لذاكرة المكان ذاكرة مؤلمة ايضاً وتبعث في الروح حزناً دفيناً وحزناً قديماً يتجدد مع ذكرى وذاكرة المكان.. سنجيب او بالادق سنحاول الاجابة على هذا السؤال المركب في عمود آخر. لكننا بكل تأكيد نظل جزءاً من ذاكرة الامكنة التي عاشتنا اكثر مما عشناها ونظل نحمل شيئاً من الشوق وشيئاً من الحنين وشيئاً من التوق الى الاماكن والى استحضار ذاكرتها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها