النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

مجادلة تاريخية.. مع الرئيس مرسي

رابط مختصر
العدد 8502 الجمعة 20 يوليو 2012 الموافق غرة رمضان 1433

في اثنتين من الخطب المتعددة التي ألقاها الرئيس المصري الجديد الدكتور «محمد مرسي» في أعقاب إعلان فوزه في الانتخابات الرئاسية، تعرض للتاريخ المصري المعاصر، أشار في أولاها - بشكل بدا عابراً - إلى «التضحيات التي دفعها الشهداء منذ عشرينات القرن الماضي»، وألمح في الثانية - بشكل بدا لي مقصود - إلى «الستينات وما أدراك ما الستينات».. ولأنني - على عكس الذين يؤمنون بأن «سوء الظن من حُسن الفِطِن» - أعتقد أن «حُسن الظن من حُسن الخُلق»، فقد أسعدتني إشارة الرئيس «محمد مرسي» الأولى للتاريخ، بقدر ما أدهشتني، إذ بدت لي خروجاً صريحاً، وتصحيحاً متأخراً لمنهج جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من جماعات الإسلام السياسي، في تفسير التاريخ المصري الحديث.. وعلى عكس المنهج القومي في تفسير التاريخ، الذي يقوم على أنه صراع بين الأمم، والمنهج الاشتراكي، الذي يذهب إلى تفسيره، باعتباره صراعاً بين الطبقات، فإن منهج جماعات الإسلام السياسي، يقول بأن صراع الأديان هو الذي يصنع التاريخ.. وفي هذا السياق يفسر أصحاب هذا المنهج تاريخ مصر والعالم العربي والإسلامي، خلال العصرين الوسيط والحديث وما بعدهما باعتباره امتداداً للحروب الصليبية، ويربط بين كل تطور شهدته هذه البلاد وبين ما يسميه الصراع بين المسلمين والنصرانية العالمية التي ركزت على إضعاف بلاد المسلمين من خلال تحطيم الخلافة الإسلامية، وكانت تتمثل آنذاك في الإمبراطورية العثمانية، وتتخذ من عاصمتها «استانبول» مركزاً لها. وتحقيقاً لهذا الهدف شجعت الدول الأوروبية المسيحية، كل الدعوات القومية والوطنية التي نشأت داخل الشعوب المسلمة غير التركية، التي كانت تخضع للخلافة الإسلامية، وتعهدتها بالرعاية، لكي تقود شعوبها على طريق الانسلاخ عن دولة الخلافة، فتتقوض أركانها، وتتفكك الوحدة الإسلامية، وبذلك ينعقد لواء النصر في الحروب الصليبية للجيوش الأوروبية، بعد أن عزّ عليها تحقيقه في العصور الوسطى. وتطبيقا لهذا المنهج، يذهب هؤلاء إلى وصف كل قادة الحركة الوطنية المصرية، وحركة القومية العربية، بأنهم عملاء للاستعمار الأوروبي، تشربوا أفكاره، وتدربوا في كواليس مخابراته، وشاركوا في تنفيذ المخطط الذي وضعه لتفكيك عرى الوحدة الإسلامية، والقضاء على المؤسسة التي كانت تصون هذه الوحدة، وهي الخلافة العثمانية، وهو وصف يشمل من قادة الحركة الوطنية المصرية كلاّ من الزعماء «أحمد عرابي» - قائد ثورة 1882 - و«سعد زغلول» - قائد ثورة 1919 - ، وخليفته «مصطفى النحاس» و«جمال عبدالناصر» قائدة ثورة 23 يوليو 1952، كما يشمل عدداً كبيراً من المفكرين الليبراليين والقوميين والوطنيين، الذين رفعوا شعارات الاستقلال عن تركيا العثمانية، وطالبوا بأن تكون مصر للمصريين، من الشيخ «محمد عبده» إلى «عبدالله فكري» ومن «أحمد لطفي السيد» إلى «سلامة موسى» ومن «طه حسين» إلى «علي عبدالرازق» ومن «قاسم أمين» إلى «شبلي شميل» و«إسماعيل مظهر».. ويذهب أصحاب هذا المنهج إلى أن الدعوة إلى تحرير المرأة التي بدأها «قاسم أمين»، بكتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة» التي يشيع الاعتقاد بين أصحابه، أنه كتبهما بتشجيع من صديقيه «سعد زغلول» و«محمد عبده»، كانت جزءاً جوهرياً من هذا المخطط، بتشجيع المرأة المسلمة على السفور، والخروج إلى العمل والاحتكاك بالرجال وإشاعة الانحلال الجنسي في المجتمعات الإسلامية، ما يؤدي إلى تفكك الأسرة المسلمة، وانهيار البيت المسلم.. وبالتالي فتح ثغرة، ينفذ منها المستعمرون إلى المجتمع المسلم. وبشيوع هذا المنهج في تفسير التاريخ، لدى المنتمين لتيار الإسلام السياسي، ساد لديهم اليقين بأن كل دعوة للوطنية أو القومية أو الليبرالية أو العلمانية، هي دعوة للخروج على الدين الإسلامي، وأن كل قومي أو ليبرالي أو علماني، هو كافر، وهو يقين ساهم في ترسيخه لديهم، المعاملة الإدارية والبوليسية القاسية التي عوملوا بها في ظل حكم الأنظمة الوطنية، التي أقيمت على أنقاض الحكم الاستعماري المباشر في كثير من الدول العربية، بصرف النظر عن أن الجانب الأكبر من هذه المعاملة، كان ردّ فعل لأعمال العنف التي قام بها المتشددون والمتزمتون والمتهورون منهم. والأمر الذي لاشك فيه أن هذا النهج في تفسير التاريخ ينطوي على أخطاء فادحة في قراءة وقائعه، وفي تحليلها، وفي تقييم الأدوار التي قام بها زعماء الحركات الوطنية والقومية في العالم العربي، ويتجاهل ما عاناه العرب من مظالم فادحة في ظل قادة جمعية الاتحاد والترقي التي كانت تؤمن بالقومية الطورانية، وتتعامل مع العرب باعتبارهم رعايا لا مواطنين. ولأنني أؤمن بأن حُسن الظن من حُسن الخلق، بدا لي لأول وهلة، أن الرئيس محمد مرسي بإشارته إلى شهداء الحركة الوطنية منذ العشرينات، إنما يشطب على هذا المنهج في فهم التاريخ المصري، ويعيد الاعتبار للحلقات المتتابعة من الثورة الوطنية التحررية التي شهدتها مصر منذ ثورة عرابي عام 1882 إلى ثورة عبدالناصر عام 1952، ويعتبر الذين ناضلوا تحت راياتها وطنيين وليسوا صبيانا للمبشرين وعملاء تربوا في كواليس المخابرات الأوروبية. لكن صديقا لي ممن يؤمنون بأن سوء الظن من حسن الفطن، لفت نظري إلى أن الرئيس لم يكن يشير إلى ثورة 1919، عندما تحدث عن شهداء العشرينات، بل كان يشير إلى تاريخ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، وربط بين ذلك وبين إشارة الرئيس إلى «ماجرى في الستينات.. وما أدراك بما جرى في الستينات»، ليدلل على أنه لم ينس بعد الثأر الذي تحمله جماعة الإخوان مع النظام الناصري، بسبب ما تعرضوا له من تعذيب في أعقاب اكتشاف ما وصف آنذاك بأنه مؤامرة لقلب نظام الحكم، كان يعد لها تنظيم من الإخوان بقيادة المرحوم سيد قطب، لينتهي من ذلك إلى أنني تسرعت في فهم إشارات الرئيس، وأنه أراد أن يؤكد تمسكه بموقف الإخوان المسلمين من التيارات الليبرالية والقومية، وبمنهجهم في فهم التاريخ.. وليس العكس.. ولذلك أتمنى أن يتكرم السيد الرئيس بتوضيح الأمر، حتى نعرف رؤوسنا من أقدامنا!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها