النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11198 الجمعة 6 ديسمبر 2019 الموافق 9 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

عـــــــــــن ســـــــــوريــــــــا ومــــــبادرة

رابط مختصر
العدد 8502 الجمعة 20 يوليو 2012 الموافق غرة رمضان 1433

سوريا يا حبيبتي أعدت لي كرامتي.. هذه بقايا كلمات مقيمة في الذاكرة من أنشودة لها تتمة طويلة ولكنني قد نسيتها وربما يتذكرها غيري من الطلبة الذين درسوا في سوريا أو تخالطوا مثلي مع طلبة من سوريا في روسيا مثلا وفي غير روسيا أيضا. وفي العموم فإن كلمات هذا النشيد قد لحنت لتتغنى بها نجاح سلام إبان حرب 1973. لقد كانت كلمات هذه الأغنية تخرج من حناجر السوريين ملتهبةً حرارةَ عشقهم لتلك الأرض. وكنت أندهش حقيقة من حجم الحب الخزين في قلوب السوريين لبلدهم التي هي تنزف الآن دما حارا أراه ترجمة عملية على التضحية والفداء الذي يعطيه شعب سوريا الأبية نظير الحصول على الكرامة التي تراق والعالم يتفرج! وقبل أن أخوض فيما ينبغي أن أخوض فيه بحثا عن تفسير معقول لمبادرة السيد كوفي أنان، عليّ أن أقول بأن السوريين وعلى مختلف منابتهم الفكرية والعقائدية كانوا يؤدون هذا النشيد في المناسبات المختلفة رغم أن في النص ما يشير صراحة إلى الاعتراف بريادية حزب البعث الذي يحلو لي أن أسميه في جحيم الأحداث الجارية «حزب البعض»؛ والسبب أن هذا النشيد كان يعبر عن مرحلة تاريخية شهدت شيئا من التوافق الوطني بين الأحزاب السياسية السورية العديدة، وهذا التوافق استثمره النظام الحاكم، أي حزب البعث العربي الاشتراكي، في تأسيس الجبهة الوطنية التقدمية ليكون هو قائدها والمتسلط فيها على بقية الأحزاب المعارضة التي انضوت تحت مظلة هذه الجبهة لتجازى بتقزيم حزب البعث من أحجامها ونشاطاتها. كان يُنظر إلى هذه الجبهة آنذاك على أنها من أهم المنجزات التصحيحية التي يتشارك فيها حزب البعث مع الأحزاب السياسية الأخرى في إدارة شؤون الدولة، أما اليوم فيبدو لي أن هذه الجبهة، ومع هذه المتغيرات الحادة التي أوجدتها مجريات الأحداث في مختلف المدن السورية واستنبتتها سقيا الدماء الحارة التي نشهد منها يوميا شلالات، قد استنفدت غرضها التاريخي المحدد فصارت عبئا يعوق المسار الحالي، فلهذا لم نعد نسمع عن هذه الجبهة شيئا، وكأنها تفتح الطريق لتغييرات أشمل وإصلاحات أعمق تليق بحجم التضحيات التي قدمها هذا الشعب المنكوب بنظام لا يستمع إلى شعبه. تداهم كلمات بداية هذا النشيد ذاكرتي السمعية كلما عرَضَت نشرات أخبار قنوات العالم لقطات حقيقية من عدوان الحكم السوري اليومي المتواصل منذ ستة عشر شهرا على شعبه الذي يتعرض لأسوأ معاملة يتعامل فيها نظام حكم مع محكوميه. لقطات حقيقية وليست مفبركة كما كانت تفعل قناة «العالم» في تعاملها مع أحداث البحرين فزادت بسوء مقاصدها المذهبية وطائفيتها الصريحة علاقة المكونات الاجتماعية تنابذا واحتقانا. تلك كانت كلمات كنا نسمعها ونرددها مع أحبة لنا سوريين جمعتنا وإياهم في غربة الدراسة الأكاديمية صداقة تاريخية لا تقبل التكرار لسبب بسيط وهو أن بلد الغربة الدراسية الذي عنيت لم يعد موجودا في الواقع السياسي. لقد غاب اسمه من خريطة العالم بشكل كلي في زحمة الحراك الإنساني وصراعه من أجل إيجاد الأفضل للبشرية. وفي هذا الإطار، في اعتقادي، تسير الأمور في سوريا، ولربما تسألني لماذا في سوريا؟ فأقول لأن سورية قد عاندت الواقع ومارست صنوفا شتى من التحايل على رغبات الناس التواقة إلى التغيير رغم النتائج التي آلت إليها أحداث كل من تونس ومصر وليبيا واليمن. إنها لحظة الحقيقة الحالّة على كل نظام سياسي شمولي لا يستجيب لمقتضيات التغيير والتحسين المفضية إلى مساحات أعم في الحرية والكرامة وحقوق الإنسان. تحتل أخبار سوريا حيزا من المشهد الإعلامي الذي يبث على مدار الساعة وتأتي في خضم البث أنباء عن المساعي الدولية التي تبذل من أجل إيجاد مخرج للشعب السوري من جحيم الموت اليومي الصريح، ومن ضمن هذه المساعي مسعى السيد كوفي أنان، الموفد المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية إلى سوريا. شخصية كوفي أنان تختزل في ذاتها حنكة دبلوماسية أممية تجعل كل كلامها موزونا بمقاييس قد تكون حقوق الإنسان والشرعية الدولية جزءا من ضوابطها ولكنها أحيانا تعدل بنا إلى رؤى ذاتية أراها بالضرورة قابلة للنقاش والدحض، لقد اقتنعت شخصيا بهذه الفكرة الحكم وأنا أتابع ما صرح به كوفي أنان في مسعى أظنه الأخير لإيجاد حل للأزمة السورية فوجدت في كلامه إلغازا يدعو إلى تحليل قول مبهم مشفر في قضية واضحة المعالم مكشوفة التفاصيل. لقد أدركت هذا الأمر منذ صرح الوسيط الأممي عن دور مهم لإيران في حل الأزمة السورية، وها هو يعمل وفق ما يعتقد بأن إيران طرف مهم، فَحَلَ عليها ضيفا طالبا مساعدتها في حل لا تملكه. السيد كوفي أنان يعتقد أن لإيران دورا مهما في حل الأزمة السورية انطلاقا من فهم ناقص للمشكلة وأهدافها الداعية صراحة إلى تغيير النظام، فهو لا ينطلق من فهم جوهره الإقرار بأن الذي يجري في سوريا ثورة ترنو إلى التغيير الجذري وليس إلى إصلاح النظام وشتان بين الفهمين، ولهذا لا أرى مستقبلا لمبادرته إذا كان التعامل مع الجلاد على المستوى ذاته من التعامل مع الضحية. إن سوريا اليوم تختلف بطبيعة الحال عن سوريا الأمس؛ فسوريا «المستأسدة» أكثر من أربعين عاما على شعبها لم تعد في ظل مجريات الأحداث النازفة دما سوريا التي تغنى أبناؤها بها عندما كانوا مقتنعين بتحقيق هدف مرحلي مهم وهو الجبهة الوطنية. فسوريا تبحث عن من كَلَّف شعبها منذ بداية الاحتجاجات وإلى أن أخذت هذه الاحتجاجات منحى الثورة 17 ألفا و129 شخصا حتى ساعة كتابة هذا المقال، وفقا لما أشار إليه المرصد السوري لحقوق الإنسان. والسؤال الذي يمكن أن يوجه إلى السيد كوفي أنان هو «هل من العدل أن تُقحم إيران كجزء من الحل فيما الجسد السوري يئن تحت وابل من السياط الإيرانية؟»، لقد علمتنا الحياة أن الظل لا يستقيم البتة والعود أعوج، وهو مثال أراه ينطبق على الحالة السورية التي تعد إيران وجها من وجوه مأساتها وسببا عميقا من أسبابها بحكم المشترك القمعي المناهض لأبسط قيم الحرية وحقوق الإنسان والمؤمن بنيابة القيادة السياسية والإيديولوجية والفقهية والدينية عن الشعب في تفكيره وأحلامه وآماله ورغبته في شيء من الكرامة والحرية. أنا أعتقد جازما أن «الحل» المتوافر لدى إيران لم تبخل به على»الدكتور» بشار الأسد بل قدمته له في طبق ملطخ بعار نظام حكم ولغ في دماء شعبه وحول عنف الدولة إلى سيف مسلط على كل الحناجر الصداحة بأصوات الحرية، وبالحل الإيراني أعني مزيدا من الدموية والقمع حد إبادة الشعب السوري. أنا متيقن من أنكم يا سيادة الأمين العام السابق ومبعوث الأمم المتحدة والجامعة العربية المشترك لا تبحثون عن ذلك ولا تتمنونه للشعب السوري العظيم، فراجعوا حساباتكم «لأن فاقد الشيء لا يُعطيه»!!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا