النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

هل يكون الدكتور مرسي رئيساً لكل المصريين

رابط مختصر
العدد 8495 الجمعة 13 يوليو 2012 الموافق 23 شعبان 1433

استقبل المصريون الإعلان عن تولي الرئيس «محمد مرسي» لمهام منصبه بشعور عميق بالراحة والأمل في أن تعتدل الأحوال، شمل الجميع حتى هؤلاء الذين كانوا يؤيدون منافسيه أثناء جولتي الانتخابات الرئاسية، والذين قاطعوها، أو تعمدوا إبطال أصواتهم لعدم رضائهم عن جميع المرشحين، ليس لأنه - كما قالت الصحف - «أول رئيس مدني منتخب» وهي مقولة لا تلقي إجماعا، لكن لأنهم - كمعظم الشعوب التي عرفت حضارة وديان الأنهار - مسكونون بالرغبة في الاستقرار حريصون على أن يكون لهم «كبير» يتابع أحوال قلب الوطن الذي هو نهر النيل، ويشرف على أوردة وشرايين هذا القلب، التي تتمثل في عدد لا يحصى من الترع والرياحات والقنوات التي تحمل المياه إلى الأرض، ويتولى حماية جسوره من طغيان الفيضان، لذلك شاع في أمثالهم الشعبية القول بـ «اللي مالوش كبير .. يشتري له كبير»! وربما لهذا السبب عرفت هذه البلدان النهرية، ما سمي بـظاهرة «الاستبداد الشرقي»، التي ظلت قائمة حتى بعد أن عرفت النظم الدستورية، إذ قامت معظم دساتيرها بما في ذلك البلدان التي أخذت بالنظم الجمهورية علي إدماج كل السلطات في السلطة التنفيذية، وإدماج هذه السلطة في شخص الرئيس، باعتباره «كبير العائلة»، الذي اشترته بالتصويت له في الانتخابات، تطبيقا لقاعدة «اللي مالوش كبير .. يشتري له كبير». أما وقد شاءت المقادير أن يصبح «د. محمد مرسي» هو هذا الكبير، فإن المشاكل التي تواجهه، أكثر من أن تحصى وأعقد من أن تحل بين يوم وليلة، بل وتتطلب زمنا لا يتجاوز فقط السنوات الأربع التي يحددها الدستور لرئاسته بل ربما يتجاوز السنوات الأربع التالية لها، إذا أعاد الناخبون لفترة ثانية وأخيرة. أول هذه المشاكل يرتبط بطبيعة الدور الذي سوف يؤديه الرئيس «مرسي» على خريطة السياسة المصرية، وهل سيكون «كبير العائلة» بالمفهوم الذي ساد خلال العهد الجمهوري فيدمج كل السلطات في السلطة التنفيذية ويدمجها - ويدمج الدولة والمجتمع - في شخصية، أم يكون «كبير العائلة» بالمفهوم الذي قامت ثورة 25 يناير من أجل ارسائه، وأكد هو نفسه في الخطب التي القاها عقب تسلمه مقاليد الرئاسة، وهو أن يكون رئيسا لدولة مدنية ديمقراطية عصرية .. تضم كل المصريين وتساوي بينهم مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية والدينية والمذهبية. والعقدة التي ربما تحول بين الرئيس «مرسي» وبين الوفاء بوعده بأن يكون رئيسا لكل المصريين هو أنه خاض معركة الانتخابات الرئاسية باعتباره مرشحا لحزب من الأحزاب، بل ورئيسا له، وهو حزب «الحرية والعدالة» عضواً بمكتب ارشاد «جماعة الإخوان المسلمين»، ومدعوما من أحزاب وجماعات أخرى تنتمي للمعسكر نفسه الذي تنتمي إليه الجماعة والحزب، وهو ما دفع بعض القوى والتيارات السياسية الأخري، إلى أن تشترط عليه لكي تؤيده، أن يعلن انسحابه من رئاسة «حزب الحرية والعدالة» وعضوية «جماعة الإخوان المسلمين»، وهو ما اضطر لإعلانه بالفعل على الرغم من أن حملة الترويج لانتخابه قامت على أساس دعوة الناخبين للتصويت لـ «جماعة» وليس لـ «فرد» فضلا عن أن الفصل التام بين شخص الرئيس، وبين الجماعة التي أمضي 35 عاما من عمره، عضواً بها، وسجن في سبيل تحقيق أهدافها وبين الحزب الذي شارك في تأسيسه واختير رئيسا له، يبدو أمرا غير قابل للتنفيذ، حتى لو اضطر الرئيس لأسباب انتخابية للتعهد بقطع صلته بهما ولأنه فضلا عن هذا كله، خاض الانتخابات ببرنامج الجماعة والحزب، وفاز بأصواتهم تأييدا لهذا البرنامج. وجاءت الترجمة العملية لشعار «رئيس لكل المصريين» في صورة تعهدات للرئيس المنتخب، بأن يختار فريقا رئاسيا يمثل كل اطياف المجتمع، يتكون من عدد من نواب الرئيس، يمثلون الشباب والنساء والمسيحيين، ويكون لكل منهم اختصاصات محددة، ومجلس استشاري يمثل أطيافا سياسية واجتماعية أوسع مدي، وأن يختار لرئاسة الوزراء شخصية سياسية محايدة لا تنتمي إلي حزب الحرية والعدالة، على أن يكون هذا الوزير الأول حرا في اختيار وزرائه بحيث تتشكل منهم حكومة ائتلافية تمثل كل الأطياف الحزبية. ومع أن هذه الشروط تبدو من الناحية الظاهرية توزيعا للسلطة التنفيذية يحول دون استئثار الرئيس بكل السلطات، ويسد الثغرات التي قد تغريه أو تغري الحزب الذي ينتمي إليه، بالاستبداد إلا أنه من الناحية العملية تبدو غير واقعية، وربما مستحيلة التنفيذ، فالسلطة التنفيذية ـ طبقا للإعلان الدستوري القائم الآن ـ شراكة بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وليس من المنطقي أن يتنازل الرئيس عن نصيب الأسد منها لنوابه وأن يتنازل عما تبقى منها لرئيس وزرائه، مع أنه هو الرئيس الذي انتخبه الشعب، وليس نواب الرئيس الذين قد يختارهم أو رئيس الوزراء الذي قد يكلفه بتشكيل الوزارة، خاصة أن المطلوب منه أن يختارهم من غير الحزب ـ وربما من غير التيار ـ الذي ينتمي إليه.. فكيف يسهمون في تنفيذ برنامج انتخابي لم يشاركوا في وضعه، وقد يتناقض في بعض أصوله وتفاصيله مع الآراء السياسية التي يتبنونها! وربما لهذا السبب أعتقد أن المنطقي والعملي هو أن يختار الرئيس معاونيه متحررا من كل قيود وشروط، بما في ذلك ما قد يكون قد قطعه ـ مختارا أو مكرها ـ علي نفسه من عهود، وأن يتصرف ـ ككل الرؤساء المنتخبين من الشعب مباشرة ـ باعتباره رئيسا لحزب، وأن يضع برنامجه موضع التطبيق، ليكون ذلك هو الأساس الذي يقيس عليه الشعب مدي تحقيق هذا البرنامج للمصالح العامة ومدى كفاءة الرئيس ومعاونيه وحزبه في تنفيذه، ومدى إخلاصه لتعهده بأن يكون رئيسا لكل المصريين، فيعيد انتخابه وانتخابهم في الانتخابات المقبلة، أو يقرر تحويلهم من حزب الأغلبية الكاسحة إلى حزب الأقلية الكسيحة! وتلك هي الديمقراطية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها