النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11698 الأحد 18 ابريل 2021 الموافق 6 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:37AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:02PM
  • العشاء
    7:32PM

كتاب الايام

واشنطن تطارد بكين في أفريقيا

رابط مختصر
العدد 8490 الأحد 8 يوليو 2012 الموافق 18 شعبان 1433

في زمن الحرب الباردة كانت واشنطن تطارد موسكو في كل مكان بحثا لها عن موطئ قدم على حساب الأخيرة، فيما كانت بكين، وللأهداف ذاتها، تطارد الدولتين معا. ومن الساحات التي احتدم فيها التنافس وقتذاك ما بين القوى الثلاث الساحة الإفريقية الفتية، حيث حاول الصينيون الحمر إقناع قادة دولها المستقلة حديثا بعدم الوثوق بالإمريكيين الإمبرياليين، وبفك روابطهم مع الدب الروسي لصالح التنين الصيني، قائلين إن الروس لا يؤتمن جانبهم لأنهم كانوا يوما ما غزاة ومستعمرون، أما الصين فلا خوف منها لأنها دون ماض استعماري. ويتذكر من عاصر تلك الحقبة الجولة التاريخية الطويلة التي قام بها رئيس وزراء الصين وقتذاك «شو إن لاي» في طول القارة السمراء وعرضها من أجل الغرض المذكور. تلك الجولة التي قادته في نهاية المطاف إلى مصر التي كانت حينئذ زعيمة أفريقيا دون منازع بسبب سياسات عبدالناصر الداعمة لحركات التحرر والاستقلال في القارة، لكن عبدالناصر رد «شو إن لاي» خائبا حينما لم يكترث بمبررات الأخير حول فك تحالفاته مع السوفييت، الأمر الذي دفع الصينيين بالمقابل إلى عدم التعويل كثيرا على ما عــُرف وقتذاك بـ «منظمة الدول الأفروآسيوية» بزعامة مصر الناصرية. واليوم، وبعد أن انتهت الحرب الباردة، وصار الاتحاد السوفيتي شيئا من الماضي، وبرزت الصين على الساحة الدولية كقطب اقتصادي وعسكري وصناعي وعلمي يمتلك ما يمكـّنه من منافسة القوى العالمية الأخرى على إفريقيا، نجد أن الإمريكيين هم من صاروا يطاردون الصينيين في القارة السمراء. فمن بعد الإعلان عن استراتيجيتها الجديدة المتمحورة حول آسيا والمتضمنة نقل أساطيلها وقواعدها الحربية بإتجاه المحيط الهادي بحلول عام 2020، ها هي الولايات المتحدة الإمريكية تحت إدارة «باراك أوباما» المتخبطة تعلن عن استراتيجية جديدة تقوم على إيلاء اهتمام أكبر بالقارة الإفريقية التي أهملتها طويلا أملا في نسيان ما حل بجنودها من فضائع في الصومال في عهد جورج بوش الأب. وبطبيعة الحال فإن المراقب لا يحتاج إلى عناء كبير ليكتشف أن العامل المشترك ما بين الاستراتيجيتين الإمريكيتين هو مناكفة الصين ومطاردتها والحيلولة دون تنافي نفوذها في القارتين. في مقالات سابقة سلــّطنا الضوء على تحركات الصينيين في القارة السمراء وقلنا إنها بلغت درجة من النضوج والنجاح جعلت دولة مثل زيمبابوي تقرر استخدام العملة الصينية (اليوان) بدلا من عملتها المحلية في مبادلاتها التجارية. كما قلنا ان دوافع الصينيين للتنافس على إيجاد موطئ قدم صلب لهم في أفريقيا تنبع من حاجتهم الماسة والمطردة إلى النفط والغاز والمعادن، وهي سلع متوفرة في العديد من الدول الإفريقية أو تحتاج لمن ينقب عنها ويستخرجها، إضافة إلى حاجتهم إلى السوق الإفريقية لترويج منتجاتهم الرخيصة من تلك التي تلائم أسعارها القدرات الشرائية للمواطن الإفريقي. وإذا كانت العقيدة السياسية الصينية الخاصة بإفريقيا تقوم على استغلال فقر القارة، وتخلف بنيتها التحتية، وانتشار الأوبئة والأمية في مجتمعاتها كسبيل للتقرب من شعوبها وحكوماتها عبر تقديم القروض والمعونات والهبات وتنفيذ المشاريع التنموية، فإن العقيدة السياسية الإمريكية تقوم على استغلال عوامل أخرى للنفاذ إلى إفريقيا. صحيح أنها انتهجت نفس الأسلوب الصيني في فترات سابقة، لكنها تنتهج الآن نهجا يقوم على استغلال الفساد الضارب أطنانه في المجتمع ومؤسسات الدولة، واستغلال ديكتاتورية وقمعية بعض الأنظمة الإفريقية وما يتولد عن هذا الفساد والقمع من شكوى دائمة عند المواطن الإفريقي حول انتهاكات حقوق الإنسان وغياب العدالة وانعدام الشفافية وانتشار المحسوبية، كوسيلة للتدخل وتوطيد النفوذ. أما الأداة التي تستخدمها واشنطن اليوم فلم تعد المعونات والقروض كما في الحالة الصينية، وإنما منظمات المجتمع المدني وشبكات حقوق الإنسان الخارجية والداخلية التي يتم تسليطها على المجتمعات الإفريقية من أجل إحداث تغيير سياسي يصب في صالح السياسات الكونية الإمريكية. ومؤخرا طرأ عامل جديد ربما كان وراء سرعة الإمريكيين لإيلاء اهتمام أكبر بإفريقيا. هذا العامل تمثل في ازدياد نفوذ وتوسع نشاط تنظيم القاعدة والموالين لها من الجماعات الإسلامية المتشددة في القارة السمراء ابتداء من مالي وموريتانيا وانتهاء بالصومال وكينيا. من هذه الجماعات، جماعة «بوكو حرام» العاملة في نيجيريا، كبرى الدول الإفريقية سكانا، وأغناها بالنفط، وأكثرها فسادا. وهذا العامل لئن كان يؤرق الصينيين أيضا، كونهم قاسوا من تشدد بعض الجماعات المرتبطة بفكر القاعدة المتسربة من أفغانستان إلى إقليم تركستان الشرقية، وإلى بعض جمهوريات آسيا الوسطى المجاورة لبلادهم، فإنه لم يعد يحتل ركنا أساسيا في استراتيجياتهم الخاصة بإفريقيا، وذلك على خلاف الإمريكيين الذين يرون فيه خطرا داهما يجب مواجهته بالآلة العسكرية، وعلى رأسها الطائرات الموجهة دون طيار. إضافة إلى العامل السابق ظهر عامل آخر استأثر باهتمام صناع القرار في البيت الأبيض، ألا وهو تمدد النفوذ الإيراني في القارة السمراء بموازاة تمدد النفوذ الصيني. فإذا ما استبعدنا ما يتردد حول وجود تفاهمات إمريكية – إيرانية من تحت الطاولة، فإن الزيارات الرسمية على أعلى المستويات ما بين قادة طهران وبعض نظرائهم الأفارقة وما صاحبها من اتفاقيات ظاهرها اقتصادي وباطنها عسكري إيديولوجي ربما أقلقت مضاجع الإدارة الأوبامية وجعلتها تعي مخاطر التمدد الإيراني في قلب إفريقيا وجنوبها وشرقها وغربها وشمالها العربي، وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى التعاون القائم ما بين طهران ونظام الرئيس البشير في الخرطوم، ومحاولات طهران تجديد روابطها مع مقاديشو والتي تعود إلى عهد الرئيس الراحل الجنرال «عمر عيديد»، والزيارة التي قام بها في مايو الماضي إلى كينيا وتنزانيا نائب الرئيس الإيراني محمد رضا رحيمي، ناهيك عن التصريحات التي أطلقها وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي في حفل أقامته السفارة الجزائرية في طهران مؤخرا بمناسبة يوم إفريقيا الذي يصادف ذكرى قيام منظمة الوحدة الإفريقية في 1963، والتي حذر فيها الوزير الدول الإفريقية من القوى الأجنبية الطامعة في خيراتها، داعيا إياها إلى اليقظة والتوحد ووضع يدها في يد إيران من أجل إقامة «قوة عالمية جديدة»، ومعترفا بوجود فرق علمية وفنية إيرانية تعمل في إفريقيا السمراء لتقديم المساعدات إلى شعوبها وحكوماتها. وبطبيعة الحال لا يمكن مقارنة القلق الإمريكي حيال التمدد الإيراني في إفريقيا بقلقها إزاء التمدد الصيني فالإيرانيون لا يملكون ما يملكه الصينيون من أدوات الإغراء والتأثير وبناء النفوذ في إفريقيا. أما الصينيون، ففضلا على ذلك، تعمل عدة عوامل لصالحهم وعلى رأسها عدم ثقة الأفارقة إجمالا في سياسات واشنطن رغم الأصول الإفريقية للرئيس الإمريكي الحالي. ومن هنا فإن إدارة أوباما وهي تعلن استراتيجتها الجديدة الخاصة بإفريقيا لم تجد سوى التشديد على ما حققته حيال ولادة دولة جنوب السودان، ودعمها لإعادة الديمقراطية إلى ساحل العاج، ومساندتها لمحكمة الجنايات الدولية في ما خص محاكمة ديكتاتور سيراليون السابق «تشارلز تايلور»، وإرسالها لقوات خاصة لاعتقال المتمرد الأوغندي «جوزيف كوني»

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها