النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

وصية الإمام محمد عبده للجماعة والأولاد!

رابط مختصر
العدد 8488 الجمعة 6 يوليو 2012 الموافق 16 شعبان 1433

في عام 1922 مات المحامي الإنجليزي الشهير «برودلي» وبيعت مخلفاته بالمزاد العلني واشترى طالب مصري كان يقيم في لندن جزءا من هذه المخلفات جمع فيه «برودلي» في مجلد ضخم كل ما نشرته الصحف الأوروبية عن قضية الزعيم المصري أحمد عرابي التي تولى الدفاع فيها وكل ما وقع في يده من اوراق ومستندات اثناء إعداده لهذا الدفاع، وفيما بعد قام هذا الطالب بإهداء المجلد إلى دار الوثائق المصرية. و»برودلي» واحد من أشهر الشخصيات البريطانية التي ارتبط اسمها بتاريخ مصر، بدأ حياته محاميا في لندن ثم ضاق بمادية الحياة اللندنية، فهاجر إلي الشرق وأقام في تونس، ومارس المحاماة هناك أمام المحاكم القنصلية والمختلطة، وتابع «برودلي» وهو في تونس حوادث الثورة العرابية في مصر ورأى أهل «تونس» جميعا يملؤون المساجد بالصلاة من أجل «عرابي» ويدعون الله أن ينقذ الشرق على يديه، وسقطت الثورة، وقرأ في الصحف الأوروبية تحريضا صريحا على إعدام «عرابي» وبمجرد أن جاءته رسالة من المستشرق الأيرلندي «الفرد بلنت» -صديق «عرابي» ومستشاره- يكلفه فيها بالدفاع عنه شد رحاله إلى مصر. وظل «برودلي» يناور ويداور في ظروف صعبة لكي يضمن لعرابي محاكمة علنية عادلة، وكانت الوزارة الإنجليزية تأخذ موقفا مائعا وتنوي ترك «عرابي» والثوار للخديو لكي يشنقهم، بينما أدرك «برودلي» ومساعدوه أن الحصول على شهود لصالح «عرابي» في هذا الجو مسألة مستحيلة وطالب أكثر من مرة بتأمين الشهود على حياتهم، فلم يلق استجابة، وعندما تمكن بإرشاد «عرابي» ومعاونة خادمه محمد أحمد وزوجة عرابي من العثور على أوراق كان «عرابي» يحفظها في خزانة سرية بمنزله، تحسن موقفه وكانت الأوراق تضم رسائل سرية من السلطان العثماني يكلفه فيها بالدفاع عن مصر ضد الغزو البريطاني وعدم إطاعة أوامر الخديو إذا كانت تنص علي الكف عن المقاومة. وبذكاء قدر «برودلي» موقفه.. فقرر استغلال الأوراق التي عثر عليها في تهديد الخديو ومساومته لإنقاذ رأس «عرابي» وفي الوقت نفسه انزعجت الحكومة الإنجليزية من ظهور هذه الأوراق، لأنها ستكشف أن عرابي قد عصى أوامر الخديو بالكف عن مقاومة الغزاة، بأمر من الباب العالي في تركيا صاحبة السيادة على مصر آنذاك. وقبل الخديو أخيرا أن يتنازل عن مطلب إعدام «عرابي» وزملائه مقابل محاكمة صورية يعترف فيها «عرابي» بالعصيان. ومنذ سنوات كنت أقلب صفحات هذا المجلد الضخم الذي يضم الأوراق التي جمعها «برودلي» من قادة الثورة العرابية حين عثرت على صورة لخطاب سلمه الإمام محمد عبده -وهو في السجن- لبرودلي ليسلمه إلى أسرته.. والخطاب نموذج لسيكولوجية الثائر السجين، ها هي هموم الحياة الراقية تختفي لتزحف الهموم الصغيرة والمشاكل التافهة، والخطاب موجه لابن الإمام وبدايته حديث عن سكن جديد انتقلت إليه الأسرة «فإن شاء الله يكون مباركا، ويكون متسعا ونظيفا وأرجو أن تخبروني عن موقعه وهيئته، وعدد المحلات التي فيه، يلي ذلك حديث عن مبلغ من المال طرف الشيخ الباجوري وحساب معقد، وحديث مقنَّع عن رجل لا يسميه الإمام ويصفه بأنه (المقيم بشارع الشيخ سلامة) ثم ينتقل بعد ذلك للحديث عن الحمار التي تملكه الأسرة (إذا تصرفتم في الحمار فلا يكون بأقل من عشرين بنتو) -وهي عملة تركية كانت شائعة في مصر آنذاك- وأظن أنه يساوي أكثر إذا كنتم ملتفتين إليه في الأكل والشرب والنظافة، ومع ذلك تخبرونا بما يرسي عليه ونعطيكم الرأي». ومن الحمار ينتقل الإمام للحديث عن الكتب، فما أبعد الشقة بين الاثنين، لكنه السجن: تختلط فيه المسائل وتتشابك، لذلك يتحدث الإمام عن كتاب «حاشية ابن عابدين» (خمسة أجزاء كانت في الدولاب، وأظن جزءا منها كان على الترابيزة، اتركوا الجزء الأول وهاتوا بقية الأجزاء، وإذا وجدتم منها غائبا، فيمكن أنه طرف الشيخ داغر). حديث آخر عن كتاب «الأحكام السلطانية» وثالث عن «شرح العقائد النسفية» وتفاصيل عن هموم الحياة الصغيرة.. فما أمر تجربة الحصار بين الجدران الأربعة. في نهاية الخطاب، فقرة يوصي فيها الإمام أسرته، يقول: والذي أوصيكم به دائما، وتوصوا به الجماعة -كناية عن السيدة حرمه- هو الحذر من السارقين والخونة من النساء والرجال ويلزم أن يكون محل نوم الجماعة في مكان بعيد عن الطريق، ويكون معهم في محل نومهم الشنطة والصندوق ودولاب الكتب، وكل ما يخاف عليه بالنهار يكون ذلك المحل مغلوقا مع التحفظ على المفتاح، وتكون إقامتهم بالنهار في «أوضة» أخرى غير التي فيها هذه الأشياء واشتروا لي نتيجة أوقات من حساب سنة 1300هـ (1883م)، وأسرعوا بشراء قماش الفانلا بمعرفة من يعرف فيه وفصلوا لي جلابية وخيطوها بالسرعة عند «محمد عبدالنبي» أو غيره وأرسلوا «الوقائع» - أي جريدة «الوقائع المصرية» وهي الجريدة الرسمية للحكومة المصرية منذ ذلك الحين وحتى اليوم من بعد يوم 20 ذي الحجة كما اخبرتكم سابقا. وتنتهي وصايا الإمام السجين، ويوقع الخطاب، لكنه يتذكر بعدها شيئا فيكتب: «قولوا للجماعة يخرجوا الثياب الجوخ لأجل تهويتها خوفا من العتة». وتدمع العين وهي تقرأ خط الإمام محمد عبده الصغير الدقيق، تتذكره مدافعا عن الحرية والديمقراطية واستقلال الوطن قويا وجسورا وشجاعا وتتصوره وحيدا في الزنازين علي ضوء ضئيل يكتب بلغة بسيطة وصية لابنه، بأن يرسل له وصفا تفصيليا للمسكن الجديد الذي انتقلت إليه الأسرة، وعن السعر المناسب لبيع الحمار الذي تملكه، وما له من ديون الآخرين، وما أعاره من كتب لأصدقائه، والأهم من ذلك، أن والدته أو جماعة الشيخ بأن تحذر من «الخونة والسارقين» فلولاهم ما دخل السجن.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها