النسخة الورقية
العدد 11152 الإثنين 21 أكتوبر 2019 الموافق 21 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:20AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:39PM
  • المغرب
    5:06PM
  • العشاء
    6:36PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

إنما الأعمال بالشواهد!!

رابط مختصر
العدد 8486 الأربعاء 4 يوليو 2012 الموافق 14 شعبان 1433

إني لمقتنع أن أي شخص سيكون على حق إذا ما اتفق مع من قد خص برامج الأحزاب السياسية العربية، وخصوصا منها أحزاب الإسلام السياسي وهي في تقديري الأكثر انتهازية في استغلال معطيات الثقافة العربية الإسلامية وتوظيفها لخدمة أهدافها السياسية، بوصف معبر عن واقع الحال السائد جوهره الإقرار بأن برامج الأحزاب السياسية الدينية ما هي إلا ضرب من ضروب النوايا والأماني المعلنة لتهييج عواطف الجماهير وإثارة حنينها إلى التاريخ ليس إلا. فلا يغرنكم ما تستدعيه بعض هذه الأحزاب من التاريخ، بنوره وظلامه، لتودعه عنوة في قوائم تلك البرامج وديباجاتها، فمهما طالت هذه البرامج، ومهما ثقل وزنها فهي في ميزان الكلام مجرد نوايا وأمان من نسج الحالمين. فإذا لم تختبر حقيقة اشتغال هذه النوايا وصدق هذه الأماني بين الناس فلن يستطيع أي شخص، كائنا من كان هذا الشخص، ممن يتعاطون الشأن السياسي ويكابدونه همَا يوميا، ومهما أُوتي هذا الشخص من ملكات الفراسة والاستقراء ومهما اكتسب من مهارات القراءة التحليلية، فإنه لن يستطيع أن يحكم على شخص آخر مستندا إلى ما يعبر عنه بالنيات والأماني قبل أن تترجم هذه النيات وهذه الأماني إلى أفعال تتجلى إنتاجا لإنجازات محسوسة ومشاهدة تتنزل على أرض الواقع في شكل خدمات تستجيب إلى احتياجات المواطن وتكون مشاريع حقيقية تستفيد منها كل شرائح المجتمع من دون استثناء. في اعتقادي أنه كيفما كانت هذه النيات وهذه الأماني، حسنة أم سيئة، فهي رهن بالحكم الرباني وليس من المفروض أن تكون مجالا للحكم الإنساني؛ لأن الحكم الإنساني، في مثل هذه الحالة يعجز عن فعل ذلك؛ إذ هو مرتبط باقتران المحسوسات والملموسات به. لهذا فإنه على أرض الواقع لا يكفي إظهار النيات مهما كانت حسنة، عوضا عن العمل على تحقيقها، فمن مقتضيات صحة الحكم الإنساني على الأشياء هي الأعمال المنجزة وليس البرامج التي تسكن الأضابير وتعتاش على سقيا القلم لأوراقه. ما تقدم كان خلاصة رأي شخصي في أحزاب الإسلام السياسي بشكل عام، وفي حركة الإخوان المسلمين التي تسمت بـ»حزب الحرية والعدالة» في مصر وشغلت ثلاثة رؤساء تعاقبوا على حكمها لمدة ستين عاما بشعاراتها ومشاكساتها وصعدت إلى السلطة في ظل فوضى سياسية عارمة اجتاحت بعض البلدان العربية أطلق عليها أحيانا «ثورة» وأحيانا «ربيعا عربيا». حركة الإخوان المسلمين أو حزب «الحرية والعدالة» حزب فاجأ الجميع بالعدد المتواضع من الأصوات التي حصل عليها. ولعل هذا الرأي يكون، كذلك، إجابة على سؤال سألتني إياه إحدى الزميلات ظنا منها أني لم أكن راضيا عما أفضت إليه نتائج الانتخابات الرئاسية المصرية بعد أن أُعلن عن فوز مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي بمنصب رئيس الجمهورية، وقبل ذلك باستحواذهم على مقاعد التشريع في مجلس الشعب في دلالة واضحة على تعبير شعبي عن عدم رضا القطاعات الشعبية الواسعة عن النظام السابق؛ حتى وإن كان عدم الرضا هذا غير واضح وضوحا شديدا لتقارب نسبة عدد الأصوات التي حصل عليها محمد مرسي مع تلك التي حصل عليها المرشح الخاسر منافسه أحمد شفيق. وفات زميلتي السائلة أنني سعيد بما جرى في مصر انتصارا للمبدأ واستبشارا بأن مصر قد قطعت خطوة حاسمة في اتجاه بناء الجمهورية بناء جديدا؛ فسعادتي تنطلق من نجاح الديمقراطية خيارا للحكم في مصر بقطع النظر عن هوية الفائز الذي أختلف معه ولا شك في مستويات جوهرية ليس أقلها شأنا صورة المجتمع المنشود لبلاد لها وزنها الإستراتيجي في عالمنا العربي. الشعب المصري يستحق ديمقراطية حقيقية تليق به وبإرثه الحضاري الضخم الذي يمتد إلى أكثر من سبعة آلاف سنة خلت، فهل ستسير الأمور في اتجاه تعميق الممارسات الديمقراطية وتحقيق حلم المصريين في دولة يسودها العدل؟ لربما يسأل القارئ الكريم «ما علاقة ما تقدم، من حيث التناول، بالنتيجة التي أفضت إليها الانتخابات المصرية؟» فأقول إجابة على هذا السؤال، إن العلاقة تكمن في أن حزب الحرية والعدالة (حزب الإخوان المسلمين) ظل سنوات طوالا يعمل تحت الأرض، ليس كحركة سياسية تأخذ من الدين والأخوة الإسلامية اسما فحسب ولكن كحركة سياسية تأخذ من المجتمع فضاء حرا ومحضنا دافئا كانت ترسم في قلوب محازيبها وأنصارها فيه أقواس النصر المبين للحركة وترسل عبر منابرها نواياها وأمانيها التي تجمعت لتكون اليوم حركة شعبية عارمة لن أقول قضت على كل من وقف في مواجهتها في طوال البلدان العربية وعرضها وإنما كادت أن تفعل ذلك مستغلة تعسف الأنظمة الجمهورية في إدارة شؤون البلاد والعباد والفساد المستشري فيها، ولكن يبقى هذا نجاحا مؤقتا؛ ذلك أن التضاد الحاد بين مقومات الدولة الحديثة والانتماء الفطري للحركات الدينية والنزوع إلى التاريخ سينتهي لصالح الدولة الحديثة بشرط بقاء الديمقراطية حاكمة لمجمل المسار، لسبب بسيط وهو تعارض حركة التاريخ العلمية مع حركة الإخوان النظرية العاطفية. أن تعمل الأحزاب من خارج السلطة فهذا يتيح لها الحديث عن كل شيء وانتقاده بالصورة التي تريد فيها تأزيم الأوضاع لصالحها وترفع ما حلا لها من الشعارات وتنسج ما يسمح به خيالها من الأحلام، لكن بعد بلوغ الإخوان السلطة فإن السلوك سيختلف والمهمات ستتغير والناقد سيغدو عرضة للانتقاد. فعليها أولا ترجمة أهدافها ونواياها أفعالا وممارسات، وعليها مواجهة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بحزمة من المشاريع لا بالإشارة إليها «وكفى الله المؤمنين شر القتال» كما كانت تفعل وهي خارج السلطة. إن الامتحان الذي يقبل عليه حزب «الحرية والعدالة « لهو امتحان صعب والتركة ثقيلة، وفي اعتقادي أن الأمر الأصعب في كل ذلك هو الحفاظ على الديمقراطية أسلوبا في إدارة الدولة المصرية. لقد حقق حزب الحرية والعدالة نصره السياسي وعليه الآن العمل من أجل ترجمة نياته وأمانيه إلى برامج ومشاريع، ونذكرها بأن الأعمال لم تعد بالنيات فحسب، إنما هي بالشواهد والمنجزات إذا ما أريد للناس في الأرض أن تحكم قبل أن يحكم مالك الأرض وخالق من عليها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها