النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12140 الإثنين 4 يوليو 2022 الموافق 5 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

أقصر البرلمانات عمراً

رابط مختصر
العدد 8481 الجمعة 29 يونيو 2012 الموافق 9 شعبان 1433

بعد أقل من خمسة أشهر على انتخابه، حكمت المحكمة الدستورية العليا في مصر ببطلان القانون الذي انتخب على أساسه مجلس الشعب الذي منحته الصحف لقب برلمان الثورة، واعتبره حكم المحكمة منعدما منذ يوم انتخابه، الذي وصفته هذه الصحف نفسها بأنه عرس الديمقراطية. وبهذا الحكم يصبح برلمان ثورة 25 يناير 2011 ثالث أقصر البرلمانات عمراً في تاريخ الحياة النيابية المصرية التي بدأت عام 1866، أما ثاني أقصر هذه البرلمانات عمرا، فهو مجلس الشعب الذي سبقه مباشرة وهو آخر مجالس الشعب في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، إذ انعقدت جلسته الأولى في 19 ديسمبر 2011 وبعد 37 يوما فقط من بدء الفصل التشريعي قامت ثورة 25 يناير 2011، وبعد ثمانية عشر يوما أخرى صدر قرار بحله، ليرحل عن عمر يناهز 55 يوما فقط. وكان ذلك ما حدث لأول مجلس نيابي ينتخب بعد ثورة 23 يوليو 1952 إذ عقد جلسته الأولى في 23 يوليو 1957، ولم يعش سوى سبعة أشهر انتهت في 23 فبراير 1958، بالاستفتاء على اندماج مصر وسوريا في دولة جديدة باسم «الجمهورية العربية المتحدة»، وعلى الدستور المؤقت لها، الذي قضى بتشكيل مجلس للأمة، يضم نصف أعضاء مجلس النواب السوري ونصف أعضاء مجلس الأمة المصري، ولم يتشكل هذا المجلس إلاّ قبل شهور قليلة من تفكك هذه الوحدة في 28 سبتمبر 1958. أما أقصر البرلمانات المصرية عمراً على الإطلاق، فهو مجلس نواب عام 1925، الذي لم يعش سوى عدة ساعات فقط، بل كان كذلك المناسبة التي برز فيها اسم مؤسس علم تزوير الانتخابات المصرية.. إسماعيل صدقي باشا «1875- 1950» وهو أحد أشهر الشخصيات السياسية المصرية في النصف الأول من القرن العشرين، فقد تولى عدة وزارات منها الأوقاف والزراعة والداخلية والمالية، وانضم إلى «حزب الوفد» عند تشكيله على مشارف ثورة 1919، وكان أحد الباشاوات الثلاثة الذين نفوا إلى مالطة مع «سعد زغلول» وقامت الثورة بسبب نفيهم، وتولى رئاسة الوزارة مرتين في عامي 1930 و1946، ومن إنجازاته التي لا تزال باقية كورنيش الإسكندرية، الذي كان صاحب فكرته، ونفذ في عهد وزارته الأولى عام 1930، وكانت الصحف الموالية له تصفه بأنه «رب الكفاءات» بسبب تعدد مواهبه السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، بينما اتخذت الصحف المعارضة له من الوصف وسيلة لشد المسخرة على كفاءاته. ومن أهم إنجازات «رب الكفاءات» إسماعيل صدقي باشا، أنه هو الذي وضع أسس علم تزوير الانتخابات النيابية، وابتكر آلياته وخططه التي استفاد منها، وأضاف إليها الذين ساروا على دربه، وكان ينطلق في ذلك من إيمان جازم بأن الدستور ثوب فضفاض على المصريين، لأنه منحهم حقوقا لم ينضجوا بعد لكي يمارسوها، وهي فكرة ترسخت في ذهنه عندما رشح نفسه في الانتخابات الدستورية الأولي عام 1924، في مسقط رأسه، ومقر أسرته وعزوته وأنصاره، متسلحا بما يعتقد أنه كفاءاته، وبدوره في استصدار تصريح 28 فبراير 1922 الذي ألغى الحماية البريطانية على مصر، وضمن لها استقلالا ذاتيا منحها الحق في إصدار الدستور، وإجراء انتخابات لاختيار أعضاء البرلمان، فإذا به يخسر الدائرة أمام محام صغير هو «نجيب الغرابلي «أفندي». ومنذ ذلك الحين ازداد يقين «إسماعيل صدقي» بأن الشعب لا يحسن اختيار من يمثلونه، وأنه زحام من الكائنات الوقحة التي يجب أن تتعلم وتتربى قبل أن تمارس حقها الانتخابي، فهي تتحرك في رأيه بغرائزها لا بعقلها، وبعواطفها وليس بمنطقها، وهي مجرد حشود تجمعها صفارة.. وتفرقها عصا. وحين قضت الظروف السياسية التي أعقبت - في أواخر عام 1924- مقتل السير «لي ستاك» - سردار الجيش المصري وحاكم السودان - بإقالة الوزارة الدستورية الأولى التي كان يرأسها سعد زغلول، وحل مجلس النواب الأول الذي كان أغلبيته وفدية، وتطلب الانقلاب الدستوري الذي تلا ذلك وزيرا للداخلية يستطيع شل مقاومة «الوفد» وقادرا - وهو الأهم - على إجراء انتخابات مضمونة سلفا أنها لن تعيد «سعد زغلول» وأنصاره من الأفندية المتشددين الغوغائيين إلى الحكم، تقدم «إسماعيل صدقي» يبرز مواهبه وكفاءاته ويضع أسس «علم تزوير الانتخابات» التي تشمل: التلاعب بالقوانين المنظمة للعملية الانتخابية وتزوير الكشوف التي تتضمن أسماء الناخبين وشراء الأصوات، وتوزيع قوات الأمن حول لجان الانتخابات بأعداد تتناسب مع عدد الأصوات التي يتوقع أن تحصدها أحزاب المعارضة لإرهاب الناخبين والتصويت نيابة عن الموتى والغائبين. كانت المعركة صراعا بين فكر إسماعيل صدقي ودهائه السياسي.. ومكر هذه الجموع من الدهماء والصعاليك الذين يسمون بالشعب.. وانتهت بهزيمة «صدقي» هزيمة منكرة تظاهر كثيرون من المرشحين أنصار «سعد زغلول» بأنهم يؤيدون الحكومة وانضموا إلي حزبها، وخاضوا الانتخابات على قوائمه، واستفادوا من امكاناتها بل من تزويرها، وما كادت نتائج الانتخابات تذاع حتى أعلنت الحكومة أنها فازت بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية، وأنها هزمت طغمة «سعد زغلول» هزيمة منكرة، وتلقى صدقي باشا التهائي على إدارته لملف الانتخابات ونجاحه في تحقيق هذه النتيجة الباهرة.. وأقيمت الأفراح والليالي الملاح. وبعد أيام عقد مجلس النواب الجديد جلسة الإجراءات التي ينتخب فيها النواب رئيسه والوكيلين.. ورشحت الحكومة أحد أقطابها من النواب لرئاسة المجلس.. ورشح سعد زغلول نفسه للموقع ذاته «ولم ينتبه «رب الكفاءات» إلى أنه كان ضحية مقلب ساخن إلا عندما أعلنت نتيجة التصويت، لتكشف عن أن «سعد زغلول» فاز بالأغلبية الكاسحة من أصوات النواب.. فأسرع يستصدر مرسوما ملكيا بحل مجلس النواب، من دون تحديد تاريخ جديد لإجراء الانتخابات حتي يتفرغ لسد الثغرات في تكنولوجيا التزوير ومنذ ذلك الحين والمعركة متواصلة بين الشعوب، وبين الذين ورثوا وطوروا علم تزوير الانتخابات.. ولا أحد يعرف حتى تسفر عن انتصار أحد الطرفين!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها