النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

الآن علمــــــــــــــــتُ...

رابط مختصر
العدد 8481 الجمعة 29 يونيو 2012 الموافق 9 شعبان 1433

أنا متأكد بأن هناك الكثير، من أبناء هذا الشعب العظيم في محبته وفي تسامحه، ممن قد تقطعت ببعضهم البعض سبل التواصل الاجتماعي، وأعاق تلاقيهم شك استزرعه خطاب الكراهية الذي يملأ فضاءنا بسبب ما أرساه الحراك الطائفي الذي قادته جمعية «الوفاق» في «الدوار»، وأمسك بزمام قيادته وتوجيهه في المجتمع كتاب «عاهدوا» المذهبية في دواخلهم على الولاء للنحلة قبل أن يكون للوطن، قد حدث معهم مثلما حدث معي عندما التقيت بصديق كان آخر عهدي بلقائه في شهر فبراير من عام 2010، أي في شهر الآلام من ذلك العام الذي ولى - غير مأسوف عليه إلا بما سرقه من زمن تنمية بلادنا ومن أعمارنا - حاملا معه كارثة اجتماعية سوف يطول الوقت لكي نتمكن من كنس آثارها التي لطخت العلاقات الإنسانية بين المكونات الاجتماعية وتركت آثارها جروحا غائرة في المشهد الاجتماعي يصعب علينا إدراك علاجات ناجعة لها في القريب العاجل طالما استمرت التيارات السياسية الطائفية، التي كانت سببا في تفجر تلك الأحداث، سادرة في تحشيداتها المذهبية ولا تريد أن تنصاع إلى الإرادة الجمعية في البحث المشترك عن حلول ناجعة عبر الحوار والمصالحة الوطنية. لعلي قد أطلت في تقديمي موضوع اللقاء مع الصديق، غير أني أرى هذا الاستدراك اقتضاء منطقيا فرضه مآل نسيجنا الاجتماعي بعد هجمة الدوار البربرية الشنيعة وتطاول قراصنتها على مؤسسات الدولة الدستورية، وتداعيا وجدانيا حتمه الإحساس بضياع كنز الأجداد الثمين: وحدتنا الوطنية واصهار التنوع المذهبي في قلب واحد نابض بحب البحرين وحب الخير للجميع أنى كانت عقائدهم ومذاهبهم ودياناتهم. افترقت، أنا وصديقي، عند ذاك المفصل التاريخي عندما عصفت بنا أحداث الرابع عشر من فبراير، وكنت قد حسبت أننا افترقنا متخاصمين لحدة النقاشات التي كانت تدور آنذاك، فقد كانت حوارات منفلتة من ضوابط آداب الحوار وأخلاقه، وقد كان ذلك انعكاسا وترجمة لقلة أدب الشعارات ذاتها المرفوعة في «الدوار». كنت دائما أرى هذا الصديق عنيدا ومكابرا ولا يعير لوجهات النظر الأخرى اعتبارا طالما كانت لا تتفق مع وجهة نظره، وكان هو في تلك الفترة يقف عند رأيه المدافع عن أهل «الدوار» لا يتزحزح، واصفا إياهم بـ»المظلومين الذين يملكون الحق ولا يملكون التعبير عنه حتى أزفت ساعة الصفر ليعبروا عنه وليسمعهم العالم»، ناسيا أن هذا العالم الذي عناه قد استمع إليهم واستمع ولكنه، قبل أن يعي هول خطئه ويتراجع لإحقاق الحق، كان في لجة الصخب غافلا عن أن يستمع إلى أنين وطن ضربته عاصفة طائفية هوجاء وتشظت جراء ذلك الصورة الاجتماعية التي كانت أبدا مصدر فخر لهذا الشعب. نعم أقول إن العالم قد تراجع لصالح إحقاق الحق بعد أن تبين أكاذيب التيار الولائي الذي يجر البلاد إلى مآلات تحشيد طائفي تستهدف المنطقة كلها، وتراجع أيضا بعد أن شهد على الأرض حجم العنف الذي يقذف به هذا التيار المجتمع ليلا نهارا. لقد كان صديقي، في موقفه ذاك، يتفق مع من وصفتهم في مقال سابق لي بـ»ذوي النوايا الطيبة» الذين يقرأون مواقف قوى الإسلام السياسي في قشرية ظاهرها من دون الذهاب عميقا في سبر النوايا والكشف عن الأهداف الحقيقية المحركة لها. ذوو النوايا الطيبة هؤلاء، الذين هم غالبا من بسطاء الناس، تستغلهم جماعات الإسلام السياسي لإضرام حرائق طائفيتها في المجتمع معتمدة على استعداد هؤلاء، بعد شحنهم مذهبيا وطائفيا، في «التضحية» من أجل المذهب ومن أجل الطائفة. بعد السلام والترحيب سألت الصديق: «منذ متى يا ترى لم نلتق مع بعض؟» قال: منذ عام ونيف.» وأضاف: «وأعلم أنك تأخذ مني موقفا، وأراك تتهرب مني ولا تريد أن تلتقي بي مثلما كان عهدنا في ما مضى.» قلت: «أنا! حاشى لله، فأنا آخر من يُغلب مواقفه السياسية على عواطفه الاجتماعية وعلاقاته الإنسانية...» قاطعني الصديق قائلا: «أنا قصدت من مدخلي المتعمد هذا في الحديث معك، أنني أخشى أن تفاتحني في موقف سابق لي» قلت له: «يا صديقي لا تدع الأمور تذهب في اللامفهوم، وأفصح لي عما يجول في خاطرك، وثق أني على عهد صداقتي بك.» قال: « أتتذكر عندما كانت أحداث البحرين في أشدها، عندما قلت لك في سياق الحديث عما كان يدور في الدوار، إن للمحتجين كل الحق في أن يعبروا عما يشعرون به..» قلت: «نعم وأنا لم أقل لك شيئا يخالف ذلك، حيث كنا ولا زلنا متفقين على أن مساحة الحرية التي أتاحها لنا المشروع الإصلاحي لجلالة الملك فيها من الكفاية ما يستوعب ما قيل وما يقال الآن وما قد يقال، ولكن كنت، شأني شأن طيف واسع من المواطنين، قد عبرت لك ساعتئذ عن استيائي من الشعارات التي كانت تُرفع في الدوار، لأن المساس بشرعية النظام السياسي كان ولا يزال خطا أحمر لا يمكن السكوت عنه. «أخذ الصديق هنيهات لعله يتأمل ما سمعه مني، وقال: «ساءلتك استحضار نقاشنا القديم لأني تراجعت عن الكثير مما قلت وأصبحت أراه من زاوية نظر جديدة، فأنا الآن أقول شيئا يخالف ما سبق لك سماعه مني في فترة الأحداث» قلت: «وما هذا الشيء؟» قال: «اكتشفت أن من كنت أدافع عنهم، إنما هم طائفيون حدّ النخاع. وأنا متأسف على موقفي ذاك.» سكت لحظتها أتأمل قوله وأفكر فيما قال لي هذا الصديق المكابر الذي لا يعير وجهات النظر الأخرى اهتماما، فقررت أن أجعل من حواري معه موضوعا لمقالي الماثل بين يديك عزيزي القارئ. وأنا متأكد بأن موقفا كهذا أو شبيها به قد حصل معك. وإن كان في هذا اللقاء من عبرة فإنني متيقن بأن الكثير منا كان على موقف خطأ من أصدقائه جراء هول ما حل بالبحرين العزيزة، فلنعد تقييم ما حدث ولنستعد صداقاتنا الجميلة، ففضاء البحرين واسع ويحتمل المحبة مع الاختلاف وإلا لما تسلمنا الشعلة من الأولين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها