النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

في انتظـــــار حكـــم التاريــــــخ!

رابط مختصر
العدد 8467 الجمعة 15 يونيو 2012 الموافق 25 رجب 1433

ذكرتني المظاهرات والاحتجاجات التي اندلعت خلال الأسبوع الماضي في القاهرة وغيرها من المدن المصرية في أعقاب إعلان الحكم في القضية التي اتهم فيها الرئيس المصري السابق «حسني مبارك» وابناه ووزير الداخلية الأسبق حبيب العادلي ومعاونوه بمظاهرات مشابهة، اندلعت في أواخر فبراير عام 1968 لأسباب مشابهة وشاركت فيها لدوافع مشابهة. أيامها كان جرح هزيمة يونية 1967 لا يزال طريا، إذ لم يكن قد مضى على وقوعها سوى تسعة أشهر، جرت خلالها في النهر مياه كثيرة ملوثة بالدم وعكارة الهم، كان من أبرزها التحقيق مع القادة العسكريين الذين اعتبروا مسؤولين عن الهزيمة، وفي مقدمتهم الفريق طيار «محمد صدقي محمود» قائد سلاح الطيران أثناء الحرب وكان الشائع أيامها أنه المسؤول الأول وربما الوحيد عن الهزيمة التي بدأت بضربة جوية شنها طيران العدو على المطارات العسكرية المصرية، فدمّر كل الطائرات التي كانت تربض فوق مدارجها، وكأنها تنتظره لكي تحتفي بقدومه.. وبذلك فقدت القوات المسلحة المصرية غطاءها الجوي وسادت الفوضى بين صفوفها، وعجزت قيادتها عن السيطرة عليها لتقع الهزيمة المروعة. وكان مما رسخ الاعتقاد بأن الفريق طيار «محمد صدقي محمود» هو المسؤول الأول عن الهزيمة، رواية ألفها أحد عملاء المخابرات الإسرائيلية بعنوان «وتحطمت الطائرات عند الفجر» استعار مؤلفها الأسماء الحقيقية لبعض الشخصيات السياسية والعسكرية المصرية البارزة، ليوحي بأن الوقائع التي تتضمنها هي وقائع حقيقية وكان من بينها واقعة تقول إن الفريق طيار «محمد صدقي محمود» أقام ليلة 5 يونية 1967 حفلا ساهراً بقاعدة انشاص الجوية العسكرية القريبة من القاهرة، دعا إليه معظم الطيارين حيث أمضوا الليلة يستمتعون بالغناء والرقص ويعبون أباريق الخمر، ثم عادوا إلى قواعدهم عند الفجر ليغطوا في نوم عميق لم يستيقظوا منه إلاّ على دوي الانفجارات التي حطمت كل الطائرات وكل مدارج المطارات العسكرية في كل أنحاء مصر. وعلي نحو ما كانت هناك جهات رسمية وشبه رسمية تسعى لترسيخ هذا الاعتقاد لدى الجميع بأن قائد سلاح الطيران هو المسؤول الوحيد عن الهزيمة، ربما لكي تتوقى فتح باب المسؤولية على مصراعيه ليشمل آخرين من القادة العسكريين والسياسيين في وقت كانت هذه الجهات ترى أن المصلحة العامة تتطلب الانشغال بمتطلبات إعادة البناء السياسي والعسكري لمحو آثار الهزيمة بدلاً من الانغماس في محاسبة المسؤولين عنها، اكتفاء بعزلهم عن مناصبهم.. وربما كان هذا هو الذي دفع هذه الجهات لمحاولة دفع الأمور في اتجاه أن يكون الفريق طيار «صدقي محمود» كبش فداء لكل الذين قصروا في حرب 1967 .. حتى لا يتسع الخرق على الراتق! وبعد تسعة شهور من الانتظار، وفي 21 فبراير 1968 صدر الحكم في قضية الطيران، فإذا به يقضي بمعاقبة الفريق «صدقي محمود» بالسجن لمدة خمسة عشر عاماً، وبعقوبات أقل من ذلك تتراوح بين خمس وعشر سنوات علي بقية المتهمين من معاونيه، فأحدثت صدمة هائلة لدى المصريين، إذ كان الجميع قد تهيئوا لصدور حكم بإعدام المتهمين جميعاً، واتخذوا مما كان يشاع بينهم من أخبار تذيعها الإذاعات الأجنبية وخاصة مما يتعلق بحفل انشاص حيثيات لهذا الحكم، الذي لا يحتاج - في رأيهم - إلى نقض أو مراجعة.. أو الاستماع إلى مرافعات دفاع.. أو إلى أقوال شهود. وشاءت المصادفات السيئة أن هذا الحكم قد أعلن في الوقت الذي كانت قد بدأت فيه محاكمة وزير الحربية أثناء الهزيمة «شمس بدران» وأكثر من خمسين آخرين من الشخصيات العسكرية والمدنية بتهمة التخطيط للاستيلاء على القيادة العامة للقوات المسلحة وإعادة المشير «عبدالحكيم عامر» إلى منصبه كقائد عام لها، وكان المتهم الأول فيها ـ وهو المشير عامر نفسه - قد انتحر، بينما كشفت أقوال الشهود عن حجم الفساد والاستهتار وإساءة استغلال النفوذ التي كان يمارسها معاونوه، فأضاف الناس ذلك كله إلي حيثيات الحكم بالإعدام الذي كانوا قد أصدروه بحق الفريق صدقي محمود، وازداد إحساسهم بالغضب بأن الثمن الذي سيدفعه لكل هذه الجرائم هو السجن لمدة خمسة عشر عاماً فقط! ولأن اليوم الذي صدر فيه الحكم وهو 21 فبراير 1968 كان - بالمصادفة - هو يوم الاحتفال السنوي باليوم العالمي للطلاب - فإن فعاليات الاحتفال بالعيد التي أقامها طلاب الجامعات المصرية سرعان ما تحولت إلى مناقشة للحكم، ثم احتجاجات عليه، وعندما تواترت الأنباء إلى الاتحاد الاشتراكي بأن عمال مصانع «حلوان» يفكرون في القيام بمسيرة احتجاجا على الحكم، فكر أحد الأذكياء من قادة الاتحاد أن أفضل وسيلة لشفط هذا الغضب ولحصره في نطاق الحكم حتى لا يتوجه ضد نظام الحكم هو أن يتولى قادة وحدات الاتحاد قيادة هذه المظاهرات. وهكذا خرجت في اليوم التالي مظاهرات عارمة من الطلاب وهي تهتف: إعدم.. إعدم.. يا جمال.. والتحقت بها في ميدان التحرير وهتفت مع الهاتفين.. وفي ميدان «عبدالمنعم رياض» أطلت علينا سيدة عارية الرأس مشعثة الشعر، تشوح في وجوهنا وتلعن سلسفيل جدودنا.. فأدركت أنها تمت بصلة قرابة للفريق طيار صدقي محمود. وفي اليوم التالي استخدم الرئيس عبدالناصر سلطته كقائد أعلى للقوات المسلحة في الاعتراض على الحكم وأعيدت المحاكمة لتنتهي بحكم رفع مدة العقوبة المحكوم بها على الفريق «صدقي محمود» إلي السجن المؤبد.. أمضى منها خمس سنوات.. وعفا عنه الرئيس السادات، بعد نصر أكتوبر.. وبعدها بسنوات نشر كثيرون من قادة حرب 1967 مذكراتهم التي أكدت أن «صدقي محمود» لم يكن مسؤولا عن الهزيمة وأنه ظل لسنوات طويلة قبل الحرب يطالب بميزانية لإنشاء ملاجئ للطائرات تحميها من هجوم طيران الأعداء فكان يقال له كل مرة إن الميزانية لا تسمح. ومنذ ذلك الحين كففت عن الاشتراك في المظاهرات التي تحتج على أحكام قضائية في انتظار حكم التاريخ الذي قد يكون أقسي أو أرحم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها