النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

ديمقراطية الشيخ «سليط»

رابط مختصر
العدد 8460 الجمعة 8 يونيو 2012 الموافق 18 رجب 1433

ظلت الانتخابات العامة، حلماً يداعب المثقفين العرب، منذ فجر النهضة العربية، لا يكفون عن المطالبة به، ولا يتوقفون عن الإلحاح علي حكامهم بأن يمنحوا شعوبهم مجالس نيابية منتخبة على الطريقة الأوروباوية، وتحريض هذه الشعوب على المطالبة بحقها في أن تشارك في حكم بلادها، وينتظرون بشوق اليوم الذي يتحقق فيه الحلم، وتجري في بلادهم انتخابات عامة يتنافس خلالها المرشحون في عرض برامجهم السياسية، ويتزاحم أثناءها الناخبون حول صناديق الانتخاب، ليختاروا صاحب البرنامج الذي يحقق تنفيذه مصالح البلاد والعباد، ويقودهما في الطريق إلى مستقبل أفضل. وعندما جاء اليوم الذي تحقق فيه الحلم جزئيا، وعرفت بعض البلاد العربية، أشكالا مختلفة من الحكم النيابي تشمل إجراء انتخابات عامة، غامر بعضهم، وخاضوا الانتخابات ليكتشفوا المسافة بين الوهم والحقيقة، وبين الحلم والواقع، فإذا بالانتخابات التي عاشوا يتمنون وصالها، كالحبيبة الأولى، مجرد صرح من خيال، يهوي بعد الزواج ويتحول إلى كابوس ثقيل. وكان أستاذ الأجيال «أحمد لطفي السيد» أحد طلائع المثقفين المصريين الذين بشروا بالفكرة النيابية على صفحات «الجريدة» - التي صدرت عام 1907 لتكون لسان حال «حزب الأمة» وهو حزب كان ينطلق من رؤية تقول بأن في مصر قوتين، هما القوة الشرعية ممثلة - آنذاك في الخديو «عباس حلمي الثاني»، والقوة الفعلية ممثلة في جيش الاحتلال البريطاني.. وأن موازين القوى السياسية في البلاد، لا تستقيم إلا إذا كانت هناك قوة ثالثة، بين هاتين القوتين، هي قوة الأمة. وعلى امتداد ست سنوات، ظل «أحمد لطفي السيد» يدعو على صفحات «الجريدة» - التي كان يرأس تحريرها - إلى الديمقراطية، وإلي توسيع اختصاصات المجالس التمثيلية الشكلية التي كانت قائمة آنذاك، لتتحول تدريجيا إلي مجالس نيابية حقيقية، تمثل الأمة، لتتخلق عبر ذلك القوة الثالثة، التي لن تتوازن أوضاع مصر السياسية دونها. وأخيراً تحقق الحلم جزئيا، وتقرر - عام 1913- تشكيل «الجمعية التشريعية»، ومنحت بعض اختصاصات المجالس النيابية، وكان طبيعيا- وقد تحقق بعض ما يطالب به - أن يرشح «أحمد لطفي السيد» نفسه في الانتخابات في مسقط رأسه، بإحدى دوائر محافظة الدقهلية بوسط الدلتا. ولأنه كان ينتمي إلي عائلة كبيرة من أعيان الدقهلية.. تملك مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وترتبط بعلاقات مصاهرة، بمعظم العائلات ذات الثقل في قرى الدائرة.. وفضلا عن أنه كان شخصية عامة، معروفة علي نطاق القطر كله، كعضو في اللجنة الإدارية لواحد من الأحزاب الثلاثة الوحيدة في مصر، يحتفظ بصلات قوية مع الباشاوات والأعيان وأصحاب النفوذ، بما في ذلك أفندينا الخديو عباس نفسه.. فقد كان محاميا ومفكرا وصحفيا يرأس تحرير واحدة من الصحف اليومية الكبرى. وبتجمع كل هذه الصفات فيه، أصبح هناك اعتقاد جازم لدى الجميع، بأن فوز «أحمد لطفي السيد» بتمثيل الدائرة، ليس محل شك، وهو ما أقلق منافسه الشيخ «عثمان سليط»- وكان عمدة أو «مختاراً» لإحدى قرى الدائرة - الذي فكر جديا في أن يتنازل عن الترشيح يأسا من الفوز، لولا أن صديقا له، أقنعه بأن هناك وسيلة تقضي على منافسه، وتدمر الميزات التي يعتقد الجميع، بأنها سبيله لاكتساح منافسيه، والفوز في الانتخابات، وعلي الفور اختارا مجموعة من أعداد «الجريدة» التي تحمل مقالات «لطفي السيد» في الديمقراطية، ومساواة الرجل بالمرأة، وبدأ الاثنان يطوفان بالدائرة، فإذا ضمهما مجلس في مضيفة أحد عمد - أو مشايخ القرى.. قال الصديق: - إن «لطفي بك» كفء ونزيه.. بس يا خسارة! فإذا سأله الحاضرون: - على إيه يا سيدنا البيه؟ قال: لو ما كانشي ديمقراطي.. وينشط أحد أنصار «لطفي السيد» إلى دفع الاعتراض.. متسائلا عن عيب الديمقراطية.. عندئذ يقول الصديق: - ألا تدري ما هي الديمقراطية؟.. إنها مصيبة على الدين وعلى العادات.. ألا يطالب «لطفي بك» بمساواة المرأة بالرجل؟.. طيب أليس من حق الرجل أن يتزوج بأربع نساء؟.. فإذا تساوت المرأة والرجل في الحقوق.. ألا يكون معنى ذلك أن تصبح للمرأة نفس حقوق الرجل، فتتزوج هي الأخري بأربعة رجال؟.. إذا كان هذا يرضيكم يا حضرات الناخبين فانتخبوا صاحب هذا الرأي المخالف لدين الله.. وأحكام الشرع.. وعادات المسلمين. وبعد هذا الكلام يناول الصديق السامعين، أعداد الجريدة ليقرأوا ويتأكدوا بأنفسهم من صدق الكلام.. وهو ما كان ينتهي عادة بإلقائها علي الأرض ومصحوبة بكلمات «نعوذ بالله.. إن هذا لكفر صحيح».. لأن الذين كانوا يقرأون المقالات، كانوا يفهمون نصوصها من خلال التفسيرات التي سبقتها وليس من خلال النصوص التي وردت بها. وأصبح «لطفي السيد» من يومها، يعرف بين الناخبين في بلاد الدائرة، بأنه - والعياذ بالله- ديمقراطي.. فإذا ذكر أحد اسمه أمام أحدهم، بصق على الأرض.. وقال: لطفي بيه.. اخص ديمقراطي. وهكذا طارت الدائرة، وفاز بتمثيلها الشيخ «عثمان سليط» الذي لم يترحم أرسطو.. ولم يدع إلي حرية الرأي والفكر والاعتقاد.. وإلى أن تكون الأمة مصدر السلطات! وربما كانت هذه التجربة المريرة، وراء الموقف الذي اتخذه «لطفي السيد» من الديمقراطية الليبرالية حتى عام 1952، فمع أنه كان أحد المثقفين الذين شاركوا في قيادة ثورة 1919، وتحمسوا للمطالبة بإلغاء الحماية البريطانية على مصر، إلاّ أن المرحلة الأولى من الثورة، ما كادت تنتهي بإلغاء الحماية، وإعلان الدستور، حتى انضم مع عدد آخر من المثقفين والسياسيين الذين كانوا يتعاطفون أو يقودون «حزب الأمة» إلي المنشقين عن «حزب الوفد» الذين شكلوا «حزب الأحرار الدستوريين» وناصبوا «سعد زغلول» العداء، باعتباره «زعيم الرعاع» ومؤسس مدرسة «ديمقراطية الغوغاء»! وهكذا اشترك «أحمد لطفي السيد» الذي يعتبره كثيرون أحد الآباء المؤسسين للتيار الليبرالي في الفكر العربي، في وزارة «محمد محمود باشا» التي تشكلت عام 1928، وحلت مجلس النواب الذي كان قائما، وأوقفت اجتماعات مجلس الشيوخ، وعطلت مواد الدستور، الخاصة بإجراء الانتخابات، وعلقت الحياة النيابية لمدّة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. ولم يكن «أحمد لطفي السيد» هو الوحيد من بين المثقفين الليبراليين الذي اتخذ هذا الموقف إذ كانت صفوف «الأحرار الدستوريين» تضم كذلك مثقفين بارزين من بينهم «طه حسين» و«محمد حسين هيكل» و«محمود عزمي» و«عبدالقادر المازني» كانوا يؤمنون بأن الديمقراطية الحقيقية، هي ديمقراطية - أو بمعنى أدق ديكتاتورية - المثقفين.. وليست ديمقراطية «الشيخ سليط»!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها