النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

تراجيديا الرؤساء المصريين

رابط مختصر
العدد 8453 الجمعة 1 يونيو 2012 الموافق 11 رجب 1433

لا أحد يعرف حتى الآن، اسم الرئيس الخامس لجمهورية مصر، أو يستطيع أن يتنبأ على وجه التحديد، بالسياسة التي سوف يتبعها، أما الذي يتوجب على الجميع أن يفعلوه، فهو أن له، بأن يكون أحسن حظا من أسلافه الأربعة. فعلى امتداد ما يقرب من ستة عقود، على إعلان الجمهورية المصرية، فى 18 يونيو 1953، تتابع على رئاستها أربعة رؤساء، يختلفون في أشياء ويتفقون في أشياء، على رأسها، أن كلا منهم غادر قصر الرئاسة في مشهد مأساوي اقرب إلى نهاية الأساطير الإغريقية. فقد غادر الرئيس الثانى للجمهورية «جمال عبدالناصر» الرئاسة والدنيا كلها، بعد ستة عشر عاما، تولى خلالها المنصب، انتهت بهزيمة مروعة بددت كثيرا من الانتصارات التي أذهلت العالم في عصره، ولم يمهله القدر، حتى يمحوها من تاريخه، وأتاح ذلك لخصومه أن يزعموا بأنه تولى أمر مصر وجزء من أرضها تحتله بريطانيا العظمى، وتركها وجزء منها تحتله إسرائيل الكبرى، واغتيل الرئيس الثالث «أنور السادات، بعد أحد عشر عاما من توليه لمنصبه، وسط جيشه، وفي يوم الاحتفال بعيد النصر الثامن الذي حققه في أكتوبر 1973، وعلى يد أحد الضباط الذين ينتمون للتيار الإسلامى المتشدد، الذي أطلقه من القمقم وتحالف معه، وتخلى الرئيس الرابع عن منصبه بناء على طلب الشعب، بعد أن تخلى عنه جيشه ورفض أن يدافع عنه، حيث يعيش أيامه الأخيرة على سرير في عنبر المسجونين في احد المراكز الطبية. أما أتعسهم حظا فكان الرئيس الأول، «اللواء محمد نجيب» الذي جلس على مقعد الرئاسة،على غير إرادته، وعلى الرغم من معارضته، فقد غادر القصر الجمهوري، بميدان عابدين، ليقضى ثمانية عشر عاما في فيلا تقع في أحد ضواحي القاهرة، اختيرت مكانا لتحديد إقامته، لم يجد خلالها أنيسا يكلمه أو يؤنس وحدته، سوى سرب من القطط والكلاب، كان يربيه، ويبثه أحزانه، ويبكي معه على أطلال سنوات المجد! وكانت البداية حين اختار تنظيم الضباط الأحرار اللواء «محمد نجيب» قبل قيام الثورة بثلاثة أشهر قائدا له، إذ كان معظم قادة التنظيم من صغار الضباط، وكانوا في حاجة إلى ضابط يحمل رتبة عسكرية كبيرة، ويتمتع بسمعة طيبة، ويحوز احترام ضباط الجيش كعسكري شجاع، وكضابط وطني، يكون واجهة طيبة للثورة، وتحمس الرجل للعرض، وتحمل معهم مخاطرة تنفيذ الثورة ليلة 23 يوليو، ولما نجحت تنازل له قائد التنظيم «جمال عبدالناصر»عن رئاسة مجلس قيادة الثورة.. وخلال الشهور الستة التالية، ارتفعت جماهيرية «محمد نجيب» الى الذروة، إذ كان أيامها في الثانية والخمسين من عمره، فبدا للجميع اقرب ما يكون إلى الأب الحنون، وكان بشوشا دائم الابتسام، باعثا على الثقة، وكان فضلا عن هذا كثير الحركة، يطوف بالقرى والمدن، ويختلط بالناس، فاتسعت جماهيريته لتشمل ضباط وجنود القوات المسلحة، إذ كان حريصا على أن يزورهم في ثكناتهم، وأن يناقش مشكلاتهم، وأن يتقرب إليهم.. ثم بدأت المشكلات تطل برأسها حين اختلف أعضاء مجلس قيادة الثورة، من الضباط الشبان بقيادة «جمال عبدالناصر» مع الزعيم الواجهة للثورة «محمد نجيب» بسبب معارضته لبعض الإجراءات القاسية التي اتخذوها بحق بعض ضباط الجيش الذين تمردوا على سلطتهم، أو انتقدوا تصرفاتهم، وظلت الخلافات والمشاكل تتراكم، وتزايد إحساس أعضاء مجلس القيادة ، بأن «نجيب» الذي اختاروه لكي يتولى رئاستهم، وقدموه للناس باعتباره صانع الثورة وزعيمها، قد خطف منهم الثورة، وانه أصبح مركز قوة، عصي على الإزاحة، فهو يجمع بين منصب رئيس مجلس قيادة الثورة، والقائد العام للقوات المسلحة، ورئيس الوزراء، ويحظى بشعبية جارفة.. وأسفر البحث عن حل يكفل لهم التخلص من نفوذه، من دون أن يثير شكوكا أو يؤدي إلى قلاقل بقرار يمنحه شلوتا لأعلى، أي ترقيته إلى منصب رفيع من ناحية الشكل، وبلا اختصاصات حقيقية من ناحية المضمون.. بتحويل مصر من ملكية إلى «جمهورية» وتعيين زعيم الثورة رئيسا لها، وهو ما يعني أن يترك منصب القائد العام للقوات المسلحة لأحد أعضاء مجلس قيادة الثورة، يكون مسؤولا وحده عن شؤون الجيش، ولا يتدخل أحد منهم في عمله، حتى لا يشجع ذلك على نشوء أحزاب داخله تنتهي بانقلاب عسكري آخر.. ومع أن المناورة لم تفت على ذكاء اللواء محمد نجيب، الذي اعترض عليها بقوة، إلا أنه اضطر للرضوخ فى النهاية، وهكذا أصدر مجلس قيادة الثورة في 18 يونيو 1953 إعلانا دستوريا بإلغاء النظام الملكي، وإعلان الجمهورية، على أن يتولى اللواء «محمد نجيب» رئاستها مع احتفاظه بالسلطات التي يكفلها له الدستور المؤقت، وتمت ترقية الصاغ «الرائد» «عبدالحكيم عامر» إلى رتبة اللواء، وعين قائدا عاما للقوات المسلحة.. وبذلك أصبح الحكم خلال فترة الانتقال جمهوريا رئاسيا، يجمع شخص واحد فيه بين قيادة الثورة وبين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، وبين سلطة السيادة وسلطة الحكم وسلطة التشريع والرقابة، لكن ذلك لم يحل دون تجدد الاحتكاكات بين الطرفين، فقد ادخل مجلس قيادة الثورة تعديلا على الإعلان الدستوري، يجعله يمارس سلطاته بواسطة المجلس، فأصبح عاجزا عن اتخاذ أي قرار، دون موافقتهم، وأصبحوا يجتمعون دون حضوره، ويتخذون ما يشاؤون من قرارات دون عرضها عليه أو مناقشتها معه، ولما ضاق ذرعا بهم قدم استقالته، وما كادوا يعلنون قبولها حتى أوشكت مصر على الدخول فى حرب أهلية.. واضطر مجلس قيادة الثورة الى التراجع عن قبول الاستقالة، وقرر أن يعود «نجيب» رئيسا للجمهورية البرلمانية المصرية، وأن يظل « جمال عبدالناصر» رئيسا لمجلس قيادة الثور ورئيسا للوزراء.. وهكذا وبعد اقل من ثمانية أشهر على إعلان الجمهورية المصرية، تحولت ـ بسب الصراع على السلطة- من جمهورية رئاسية يتولى جميع السلطات فيها ـ شكليا ـ الرئيس «نجيب».. إلى جمهورية برلمانية يكتفى فيها بسلطة السيادة، بينما انتقل فيها مركز النفوذ الحقيقي إلى «جمال عبدالناصر»، رئيس مجلس قيادة الثورة ورئيس مجلس الوزراء.. لكن محمد نجيب الذي وافق على هذه الشروط، خلال الأيام الثلاثة التي حددت فيها إقامته في أعقاب استقالته، ومن دون أن يعرف حجم الصخب التي أحدثتها، ما لبث أن فاجأ مجلس قيادة الثورة، بأن أعلن في أول خطاب له أمام الجماهير التي احتشدت في ميدان عابدين لتهنئته بالعودة، انه قد تقرر أن تكون الجمهورية المصرية جمهورية برلمانية، وأن تشكل قريبا جمعية تأسيسية تمثل مختلف هيئات الشعب، لتراجع نصوص الدستور، بعد أن تنتهي لجنة الخمسين، من وضع مشروعه، ثم تجيء الانتخابات، وتعود الحياة النيابية إلى البلاد. ومع أن فكرة تشكيل جمعية تأسيسه كانت قد نوقشت بشكل عرضي في بعض اجتماعات مجلس قيادة الثورة التي حضرها نجيب، إلا أن المجلس لم يكن قد أقرها، ولم تكن من بين ما اشترطه «نجيب» لقبول العودة عن استقالته، والأغلب أنه طرحها ليساوم بها أعضاء المجلس على استرداد سلطاته الدكتاتورية الواسعة، ويجد له مؤيدين بين أفراد النخبة السياسية، لذلك أعلن في أول اجتماع لمجلس قيادة الثورة يرأسه بعد عودته، أسفه لأنه أعلن ذلك من دون أن يعود للمجلس، وابدى استعداده للتخلي عن الفكرة، في حالة ما إذا منحه المجلس نفس السلطات التي كان يطالب بها قبل استقالته، وبالذات حقه في الاعتراض على قرارات مجلس الوزراء، وحقه في تعيين قادة كتائب وألوية القوات المسلحة، وحقه في زيارة وحداتها في أي وقت يشاء، واستفز ذلك مجلس قيادة الثورة، الذي قرر أن يدخل معه في مزايدة ديمقراطية، لكي يكشفه أمام الشعب، فأصدر قرارات 5 مارس 1954 التي قرر فيها انهاء الثورة وتسليم الحكم للمدنيين، ثم قرارات 25 مارس التي أعلن فيها عن السماح بتشكيل الأحزاب، على ألا يشكل مجلس قيادة الثورة حزبا، ثم أدار الأمور على النحو الذي انتهى في 29 مارس 1954 إلى العدول عن هذه القرارات، واستمرار الثورة، على أساس أن يتولى «محمد نجيب» رئاسة الجمهورية البرلمانية، أي يكون رئيسا بلا سلطات، وأن يتولى «جمال عبدالناصر» رئاسة مجلس قيادة الثورة، ورئاسة الوزراء، وبذلك يتولى عمليا كل السلطات! وخلال الأشهر السبعة التالية، ظل «محمد نجيب» أسيرا في «قصر عابدين» ورئيسا بلا سلطات، لا يستطيع أن يقابل أحدا دون أن يشهد اللقاء «حسن إبراهيم» عضو مجلس قيادة الثورة، الذي عين وزيرا لشؤون الرئاسة.. إلى أن تهيأت الظروف وقام أحد أعضاء الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين بمحاولة اغتيال «جمال عبدالناصر» في ميدان المنشية في الإسكندرية، وفي حمى حملة الاعتقالات الواسعة التي أعقبت المحاولة، أصدر مجلس قيادة الثورة قرارا بإعفاء «محمد نجيب» من منصب رئيس الجمهورية، على أن يبقى منصب الرئيس شاغرا، وأن يستمر مجلس قيادة الثورة في تولي جميع سلطاته برئاسة «عبدالناصر».. حتى انتهاء فترة الانتقال.. وكان هذا هو الشلوت الثانى والأخير الذى تلقاه «محمد نجيب»، وألقى به في فيلا صغيرة، كانت تملكها السيدة «زينب الوكيل» ـ زوجة زعيم حزب الوفد السابق مصطفى النحاس ـ ليمضي بها ثمانية عشر عاما كاملة، لا يكلمه أحد، ولا يتصل به أحد.. إلى أن أفرج عنه الرئيس «أنور السادات» في عام1972، وغادر الدنيا في عام 1984! فهل يكون رئيس الجمهورية المصرية الخامس الذي لم يتحدد اسمه بعد، أفضل حظا من أسلافه الأربعة.. هذا هو السؤال!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها