النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

دفـاعــــــــاً عــــــــــن كـــــاتـــــــــــب!

رابط مختصر
العدد 8451 الأربعاء 30 مايو 2012 الموافق 9 رجب 1433

اتصلت بزميل، أميل إلى مناداته بابن عمي لصلة نسب لا أعرفها على وجه الدقة - وسوف يكون لي اتصال بعمته عساها تقودني إلى مفاتيح هذه الصلة-، اتصلت به لأسأله إن كنت حقا، مثلما اعتقدت، أملك الحق في أن أكتب عن أمر يتعلق به كاتبا وليس كابن عم لي، ولكن للأسف الشديد لم يجب على اتصالي لحظتها ولا حتى بعدها، فقررت الكتابة في الموضوع الذي يشغلني معولا في ذلك على «ميانة» مجتمعية يعطيني إياها فارق السن بيني وبينه، وعلى حق دستوري يتيح لي طرح الأسئلة المتعلقة بالحريات العامة والشخصية إذا ما مُسَّت بسوء، سواء أكان ذلك بالتضييق أو الترهيب أو المنع؛ لأني في إيماني بالحريات العامة أكاد أخرج عن اعتدالي ووسطيتي إلى ضرب من التعصب المحمود الجميل الذي لا يشين إلا من عادى الحريات جهرا أو سرا أو حتى رمزا وإشارة. ولعل من حق القارئ الكريم عليّ أن أوضح أن مناسبة حديثي هذا قد فرضها لقاء عابر قادته إليّ عادة المشي في دوحة عراد التي ارتهنت بها التزاما يوميا بناء على ظروف صحية. ولعلي من باب التداعي الحر للخواطر والأفكار لا أنسى قبل الخوض في موضوع الكتابة أن أستطرد للحديث عن دوحة عراد: هذا المكان الجميل المعد للقاءات الاجتماعية وتزجية أوقات مسائية في فضاءات اجتماعية ينعدم فيها السؤال عن الهوية الاجتماعية ويظهر فيها الإنسان البحريني على معدنه الأصيل الذي توارثه الأولون حتى وصل إلينا نقيا صافيا، فدوحة عراد فائقة الجمال ببحرينية قصادها وقدرتها في هامش سلوكي رمزي على اختزال كل المتناقضات وإذابتها لوحة رائعة لبحرين التعدد والتنوع والصحة والعافية، دوحة عراد جميلة ولعلها - في التفاتة أنانية - أجمل للبعض الآخر ممن يمارسون رياضة الجري أو المشي، أي الرياضة التي أسميها مقاومة بلاء السكري والضغط، أو مجموعة ما تسمى بأمراض العصر، والحد من أضرارها المهلكة. والأهم في موضوعنا أن هذه الدوحة قد كانت الإطار الحاضن للقاء لحظي عابر تولد من رحمه هذا المقال. وضمن هذه اللقاءات اللحظية العابرة التقيت بأحد الأصدقاء الذي استوقفني ليطرح عليّ سؤاله الآتي: «هل تعرف سبب توقف الكاتب فواز الشروقي عن الكتابة، فعسى المانع خيرا؟» قلت: «لا أعرف حتى أنني لم ألحظ أنه قد توقف.» قال: «بل صار لي مدة لم أقرأ له شيئا، وأنا الذي أتابع مقالاته الجميلة المشغولة بعناية المهتم بنقد من يتصدر المشهد السياسي». وبعد أن اقتنع محدّثي بأنني أجهل حقيقة لماذا توقف قلم فواز الشروقي عن الكتابة أو لنقل عن النشر، صب في مسامعي كل ما كان قد سمعه عن سبب توقف الكاتب فواز الشروقي، وهو ما يمكن تلخيصه في أن هناك من الأشخاص أو الجمعيات من يضيق بحرية الرأي والتعبير. وقبل ذهاب محدثي حرصت على طرح هذا السؤال عليه: «أتعتقد أن لجريدة الأيام يدا في ذلك؟ أجاب وبسرعة «حقيقة أنا لا أعرف، وقصارى قولي إن ما أعرفه عن الموضوع قد رفعته لك، أما الاستفسار والمتابعة فقد أوكلت أمرهما إليك». سأبدأ مع صديقي السائل عن سبب انقطاع فواز عن الكتابة في مناقشة الموضوع بتسليط الضوء على منطقة الالتباس التي اكتنفها موقفه من جريدة «الأيام»؛ لأقول إن هذه الجريدة قد عُرفت بتبنيها للأقلام الواعدة وصقلها في سخونة المراس الصحفي. كما أنها حريصة على انتهاج منحى الشفافية واحترام حرية الرأي والتعبير، ونهج كهذا يقودني بالتأكيد إلى الجزم بأن لا دخل لجريدة «الأيام» في توقف الزميل فواز الشروقي عن الكتابة، وإن كنت شخصيا أعتقد أن الرجل وقلمه مكسب لخط الجريدة المدافع عن المدنية وعن الحريات الشخصية والعامة التي تشهد هجوما من صوب تيارات الإسلام السياسي، التي لم تتمكن من استيعاب مقتضيات المواطنة والمدنية، ولم تفقه بعد أن الإسلام دين يقدر العقل ولا يوكل أمر التفكير إلى فئة تنصب نفسها وسيطا بين الأرض والسماء دون الآخرين، وأنه في النهاية دين الحرية الشخصية والعامة. ثم إن القول بأن هناك من الأشخاص أو الجمعيات من يضيق بحرية الرأي، في اعتقادي، هو الرأي الصائب الذي قد يكون ساهم في توقف الكاتب عن ممارسة نشاطاته الكتابية في الجريدة. لقد عرفنا الكاتب من خلال طرحه الصريح بأنه كان مقتنعا بأفكار الجماعات الإسلامية، ولكنه بعد قناعات توصل إليها بشخصه تخلى عما ظنه خطأ، فمارس حقه في نقد بعض الظواهر وفضح بعض السلوكيات التي رأها تشكل ضررا على الحياة المدنية المنشودة. وفي هذا ما يقودنا إلى التساؤل: «هل كان الكاتب محقا فيما ذهب إليه؟» وإجابتي الشخصية عن هذه المسألة هي نعم لقد كان فواز محقا؛ ذلك أن التغيير الذي أفصح عنه في أكثر من مناسبة إرادي حدث في ذات النطاق، بل إنه لتغيير معبر عن حركة داخل المحيط إن على مستوى الفكر أو الوطن، وعلينا أن نقر بأن عملية التغيير المواقعي في الفكر والمعتقد لهي عملية معقدة وتحتاج إلى فكر نقدي متقد. إن فواز لم ينزح إلى خارج إطار الدين، ولم يتحول ولم يتلون ولاء وانتماء، إنما ظل مسلما بحرينيا وسطيا معتدلا، التغيير الوحيد الذي طال فواز أنه غيّر قناعاته فحسب، وهذا لا يتيح لأي كان أن يضغط عليه كي يتخلى عن قناعاته الجديدة التي ما كانت لولا مراكمة الرجل خبرات جعلته يميز الحق من الباطل، ويختار ما عده صوابا اختيارا أعتقد أنه من حق الرجل ومن صميم خياراته الشخصية التي لا يحق لأي كان أن يتدخل فيها أو أن يكممها ليكتم ما تصدع به من حقائق وآراء ومواقف لا ينزعج منها إلا أعداء حرية الرأي وقداسة الفكرة الحرة والقلم الصادق. إن ما سقته من كلام إجابة عن سؤال محدثي في دوحة عراد جزء من الحقيقة، ولكن يبقى تأكيد الحقيقة كاملة عند زميلنا العزيز فواز. ولم يكن الأمر مني إلا مشاركة متواضعة في الدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والتنبيه إلى خطورة إسكات الأصوات التي لا تروق للبعض بحكم تعارضها مع خطها في التفكير أو خشيتها مما قد تفضحه من رؤى مشوهة ومطامع مغلفة بقداسة السماء، وإذا كانت مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة فإن مسيرة إسكات الأصوات الحرة تبدأ بتكميم فم واحد وإلجام قلم واحد عن الكتابة. فهل وعينا درس الحرية جيدا واستوعبنا مقتضياته؟ رجائي أن تكون الإجابة بنعم؛ ليعود إلى قلم فواز وأمثاله مداده الصداع بحب البحرين والتفاؤل بغدها المشرق الوضاح.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها