النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

في وداع «زكريا محيي الدين»

رابط مختصر
العدد 8446 الجمعة 25 مايو 2012 الموافق 4 رجب 1433

غادر «زكريا محيي الدين» الدنيا بعد أكثر من أربعين عاما من اختفائه المفاجئ والغامض عن الخريطة السياسية لثورة 23 يوليو 1952، حين أعاد جمال عبدالناصر في مايو 1968 تشكيل الوزارة التي كان يرأسها بعد هزيمة 1967 ليخلو قرار التشكيل على غير العادة من اسم «زكريا محيي الدين» الذي كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الإدارة المحلية. بعد «عبدالناصر» كان «زكريا محيي الدين» الوحيد من بين أعضاء مجلس قيادة الثورة الذي يمكن أن يوصف بأنه «رجل دولة»، ولعل ذلك كان أحد أهم الأسباب التي دفعت «عبدالناصر» في البيان الذي ألقاه مساء يوم 9 يونيو 1967 وأعلن فيه مسؤوليته عن الهزيمة، وقراره بالتنحي تماما عن أي منصب رسمي ودور سياسي أنه -كذلك- كلف صديقه وزميله زكريا محيي الدين بأن يتولي رئاسة الجمهورية. وما كاد «عبدالناصر» ينتهي من إلقاء خطابه حتى اندفعت الجماهير في كل شوارع الأمة العربية تعلن تمسكها بقيادته، وفي القاهرة تعالت الهتافات وعلى رأسها هتاف يقول «ارفض.. ارفض.. يا زكريا» وبلغ الغضب بالجماهير المحتشدة حول بيت «عبدالناصر» إلى الحد الذي حاول فيه بعضهم الاعتداء على وزير الإعلام «محمد فائق» بسبب التشابه بينهما.. وحاول «زكريا» أن يلقي بيانا في التليفزيون يعلن فيه أنه لم يفاتح في الأمر، ولم يقبل به، وأنه يرفضه ولا يقبل رئيسا إلا عبدالناصر، فرفض المسؤولون في التليفزيون لأن التعليمات كانت قد صدرت لهم بألا يسمحوا لأحد بأن يلقي أي بيانات، ولم يتمكن زكريا من إلقاء بيانه إلا عندما تغيرت هذه التعليمات عند منتصف الليل. وكانت المصادفة هي التي وضعت على كاهل «زكريا محيي الدين» المهام الصعبة الكثيرة التي قام بها خلال أكثر من خمسة عشر عاما من عمر ثورة يوليو، مع أنه لم يكن ليلتها عضوًا في اللجنة التأسيسية لحركة الضباط الأحرار، بل ولم يكن قد مضى على انضمامه للتنظيم سوى ثلاثة أشهر فقط، ولكنه كان معروفا بين زملائه -ومنهم جمال عبدالناصر- بجديته وحزمه وتفوقه في العلوم العسكرية، وبعد نجاح الثورة جرى ضمه إلى مجلس قيادة الثورة، الذي ضم -فضلا عن أعضاء اللجنة التأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار- عددا من الضباط الذين قاموا بدور بارز ليلة الثورة كان من بينهم اللواء محمد نجيب الزعيم الواجهة للثورة، ويوسف صديق وزكريا محيي الدين.. وعند توزيع الاختصاصات بين أعضاء المجلس اختير ليتولى المسؤولية عن أجهزة الأمن. ولم تكن مصر تملك أيامها سوى جهاز المخابرات الحربية بالجيش الذي يضم 15 ضابطا فقط، والقسم المخصوص التابع لوزارة الداخلية ويتولى الأمن السياسي الداخلي الذي لم يكن يضم سوى 24 ضابطًا ومن هذه الإمكانات المتواضعة بدأ «زكريا محيي الدين» مهمته الشاقة في بناء أجهزة أمن تحمي الثورة وتحمي سلطتها، من مؤامرات الداخل والخارج واستعان في ذلك بعدد من الخبراء الألمان، الذين كانوا يعملون في جهاز الأمن في العهد النازي، ثم بعدد من خبراء وكالة المخابرات الأمريكية وأرسل عددا من ضباط الشرطة والجيش لدراسة علوم المخابرات في واشنطن وأنشأ معهدا لتدريبهم وبعد خمس سنوات كان قد وضع الأساس لمنظومة يوليو الأمنية التي ظلت تتضخم وتتعدد أجهزتها ويتزايد نفوذها داخل مصر وخارجها لتحمي أحلام يوليو الثورية التي كانت تتضخم هي الأخرى مع الزمن.. لتصد مؤامرات الرجعية والإمبريالية التي تستهدف إسقاط النظام الثوري وتساعد حركات التحرر والتمرد في العالم العربي وإفريقيا على الحصول على استقلالها، لكنها ما لبثت -ككل جيش يطيل خطوط إمداداته- أن وقعت في أخطاء متتالية تحولت معها الوسيلة إلى هدف وانشغلت أجهزة الأمن بتأمين النظام وتأمين نفسها عن تأمين الثورة وتأمين الوطن، فوقعت هزيمة 1967، لأن أجهزة الأمن المصرية -كما قال محلل عسكري إسرائيلي فيما بعد- كانت تعرف الموعد الأسبوعي الذي يلتقي فيه الجنرال «موشيه ديان» عشيقته، لكنها لم تستطع أن تعرف شيئًا عن الخطة العسكرية التي مكنت إسرائيل من النصر. ولأن شخصية رجل الأمن غلبت على تكوينه فقد كان «زكريا محيي الدين» شخصية غامضة، لا يعرف أحد كيف تفكر وإلى أي جناح من ثوار يوليو ينتمي، ففي ظل الحملة العنيفة التي شنها النظام الناصري على الشيوعية عام 1959، كان هو الذي نفذ حملة الاعتقالات التي قادتهم إلى السجون والمنافي، وفي ظل الانفراجة الديمقراطية والمد اليساري الذي أعقب صدور القرارات الاشتراكية، كان هو الذي أسس منظمة الشباب الاشتراكي وتولى أمانة الاتحاد الاشتراكي بالقاهرة، وهو الذي أشرف على البحث عن وظائف للشيوعيين المفرج عنهم. أما المؤكد فهو أنه كان يأخذ كل عمل يعهد به إليه بجدية، وكان أول من نبه عبدالناصر حين كلفه بالإشراف على الجهاز المركزي للمحاسبات إلى أن الفساد يضرب دولته في الصميم وفي أعقاب ذلك كلفه بتشكيل الوزارة فتولاها لمدة أحد عشر شهرا بين أكتوبر 1965 وسبتمبر 1966، كان أبرز ما فعله خلالها أنه رفع سعر كيلو الأرز من أربعة إلى ثمانية قروش، فكرهه الناس، وظلوا يتندرون به، لكنه لم يأبه بذلك واتبع سياسية اقتصادية انكماشية وعارض قرار «عبدالناصر» بقطع العلاقات الدبلوماسية مع ألمانيا الغربية، والاعتراف بألمانيا الشرقية، إذ كان من رأيه -كما قال لي صديق كان وثيق الصلة به آنذاك- أنه على مصر الثورة، أن تتبع في الاقتصاد والسياسة قاعدة أن تمد أقدامها على قدر طول لحافها وأنه ليس من مصلحتها أن تتجاهل حقائق الاقتصاد ووقائع السياسة لأن الجيش الذي يطيل خطوط امداداته، ويبعد عن قاعدته يسير في الطريق إلى الفخ الذي نصبه له أعداؤه. كان زكريا محيي الدين نموذجا للواقعية السياسية بمفهوم كان من الطبيعي أن يصطدم مع حلم الثورة المستمرة الذي كان يسكن «عبدالناصر» وكان في تقدير كثيرين أقرب إلى يمين يوليو، ولعل ذلك هو الذي دفعه إلي الانسحاب من السلطة بعد أن تبين له أن هزيمة 1967 لم تدفع «عبدالناصر» إلى الاعتدال أو التعقل، كما دفعه بمجرد انفراد «السادات» بالسلطة في 15 مايو 1971 إلى أن يتوجه إليه ببيان وقعه معه عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة السابقين، يطالبونه فيه بتحسين علاقات مصر بالغرب، وموازنة علاقات مصر العربية واتباع سياسة اقتصادية واقعية. ومع أن «السادات» شن حملة عنيفة ضد البيان إلا أنه -فيما بعد- طبق كل ما طالب به الموقعون عليه. رحم الله الجميع.. وأثابهم بقدر ما خدموا وطنهم وأمتهم.. بجزاء المجتهد سواء أخطأ أم أصاب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها