النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

في باب أحكام لها العجب.. ومسلمون لهم العجب!

رابط مختصر
العدد 8439 الجمعة 18 مايو 2012 الموافق 27 جمادى الأولى 1433

اتهام عادل إمام بازدراء الإسلام لا يختلف عن اعتراض المتشددين على إقامة صلاة الجنازة على نزار قباني خلال أسبوعين متتاليين من الشهر الماضي، أصدرت محكمتان مصريتان حكمين متناقضين في دعوى قضائية أقامها محام واحد ضد الفنان «عادل إمام» يتهمه فيها بازدراء الدين الإسلامي، ويستند فيهما إلى مقتطفات من جمل الحوار التي وردت على لسانه في بعض أفلامه ومسرحياته، قضى الحكم في الدعوى الأولى -التي أقيمت ضده وحده- بحبسه ثلاثة أشهر مع الشغل، وقضى في الثانية -التي شاركه الاتهام فيها عدد من صناع أفلامه- ببراءته وبراءتهم مع أن أدلة الاتهام في القضيتين وهي جمل الحوار التي وردت -على لسانه أو على ألسنة غيره- هي نفس الأدلة ومع أن المادة القانونية التي استند إليها المدعي، وحكمت استنادا إليها كل من المحكمتين واحدة! وطبقا لعريضة الدعوى فقد ارتكب «عادل إمام» جريمة ازدراء الإسلام، لأنه استخدم لحن أنشودة «أسماء الله الحسنى» مع تغيير الكلمات في خلفية مشهد دخول الديكتاتور إلى خشبة المسرح في مسرحية «الزعيم» ولأنه قلد طريقة الشيخ «محمد متولي الشعراوي» في الحديث، في أحد مشاهد فيلم «الواد محروس بتاع الوزير» مما يعتبر استهزاء بمظهر الدين الإسلامي، ولأنه في فيلم «حسن ومرقص» قال لآخر: «يعني عاوزني أرشي ربنا» مما يعتبر تطاولا علي الذات الإلهية، ثم إنه استهزأ بسنن الرسول، لأن إحدى الشخصيات قالت في فيلم «الإرهابي»: «العالم طلع القمر.. ولسه فيه ناس عندنا بتقول ندخل الحمام بالرجل الشمال مش بالرجل اليمين». تلك هي الأدلة «الدامغة» التي أخذت بها المحكمة التي حكمت بحبس «عادل إمام» وهي نفسها الأدلة التي أهدرتها وفندتها المحكمة التي حكمت ببراءته، إذ اعتبرت استخدام لحن أسماء الله الحسنى في مشهد دخول الديكتاتور تحقيرا من شأن الديكتاتور الذي يسعى لإضفاء القداسة على شخصه، ولم تجد في تقليد شخصية الشيخ الشعراوي استهزاء بالدين، لأن من الخطأ إضفاء القداسة على رجال الدين أو على فكرهم.. ولم تجد في بقية العبارات مساسًا بالدين الإسلامي يتطلب إدانة «عادل إمام» وزملائه، بل وقالت إنه لا يوجد ما يمنع من إظهار شخصية لا تؤمن بالله في أي عمل فني، لأن المجتمع يضم المؤمنين وغير المؤمنين. وكنت مازلت أبحث عن حيثيات الحكم بإدانة «عادل إمام» لكي أضيفها إلى الطبعة الجديدة من كتابي «شخصيات لها العجب» في باب بعنوان «حيثيات لها العجب» حين وقعت في يدي طبعة حديثة من رواية «زاديج» التي كتبها الفيلسوف الفرنسي «فولتير» عام 1848 وترجمها «طه حسين» عام 1947 وصدرت ضمن مطبوعات مجلة «الكاتب المصري» ففوجئت بأن الناشر -وهو إحدى هيئات وزارة الثقافة المصرية- قد غير العنوان الذي صدرت به الترجمة العربية في طبعتها الأولى من «زاديج أو القدر» إلى «زاديج أو القضاء» فأدركت على الفور أن «القدر» قد دخل في خانة المحظورات، بعد أربعين عاما من الضجة التي أثارها غناء «عبدالحليم حافظ» للقصيدة التي كتبها «كامل الشناوي» وغناها «عبدالحليم حافظ» وفيها بيت يقول: «قدر أحمق الخطى سحقت هامتي خطاه» إذ ذهب بعض المتشددين أيامها إلى أن الإيمان بالقضاء والقدر هو من أسس العقيدة الإسلامية، وبالتالي لا يجوز التنديد بهما أو الاعتراض عليهما، مما يتطلب إيقاف إذاعة الأغنية، ومع أن أحداً لم يلتفت إلى هذه الضجة أيامها، انطلاقا من أن المصريين تعودوا حتى في حديثهم العادي أن يستخدموا كلمة «القدر» في الإشارة إلى الظروف الاجتماعية الضاغطة أو الخطأ الإنساني الذي يعجز الإنسان عن صد نفسه عن ارتكابه، ولا تنصرف أذهانهم، حين يقولونها أو يسمعونها في مجال التنديد بها إلى الذات الإلهية.. أو إلى أمور الاعتقاد. ولذلك قررت أن أفرد لهذه الواقعة وأشباهها فصلا آخر في كتابي «شخصيات لها العجب» بعنوان «ناشرون لهم العجب»! ولأن الشيء بالشيء يذكر فقد ذكرتني الأحكام في قضايا «عادل إمام» بما حدث في مثل هذه الأيام منذ 14 سنة، عندما رحل الشاعر الكبير «نزار قباني» عن عالمنا في أول مايو 1998، إذ ما كاد جثمانه يدلف إلى المركز الثقافي الإسلامي بلندن، لكي يقوم أهله وأصدقاؤه والمعجبون بشعره بصلاة الجنازة عليه حتى اعترض طريقهم أحد المتشددين الإسلاميين ليعلن أن «نزار قباني» ليس مسلما وأن الصلاة على جثمانه لا تجوز.. وسانده آخرون في عملية كان واضحا أنها مخططة سلفا أثارت الارتباك في صفوف المصلين وكادت تتحول إلى اشتباك بينهم وبين المعارضين في الصلاة على الجثمان إلى أن حسم مدير المسجد المشكلة فأعلن أنه لا توجد جهة من سلطتها أن تصدر شهادة بمدى إسلام كل مسلم يموت لتكون أساسا للسماح بالصلاة على جثمانه وعلى الذين يجدون في أنفسهم شيئا على الميت أن يتنحوا عن الصلاة عليه، إذ هم ليسوا ملزمين بذلك لأن صلاة الجنازة فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين. وانتهت المناقشة بحل وسط فأقيمت الصلاة في الباحة الخارجية للمسجد، وانسحب المعارضون منها بعد أن تسببوا في فضيحة دولية للمسلمين ظلت أجهزة الإعلام العالمية التي كانت تتابع الجنازة تتحدث عنها أسابيع طويلة في بلد يزدحم بمن يتصيد أخطاء المسلمين وينفخ فيها النار ويسعى لتصوير الإسلام نفسه كدين تتصادم تعاليمه مع الحضارة والتقدم وتحرض على القتل وتصادر حرية المسلمين وغير المسلمين وتشعل المحارق وتفتل المشانق لكل من يجتهد برأي أو يقول بيت شعر أو يرسم لوحة. والأسباب التي استند إليها الذين عارضوا في الصلاة على نزار قباني تدعو لنفس العجب الذي تدعو إليه الأسانيد التي استند إليها المحامي الذي رفع الدعوى ضد «عادل إمام» وتقدم نموذجا للعقلية التي يفكر بها هؤلاء المتزمتون، ففي رأيهم أن نزار لم يسخر شعره لخدمة الإسلام والمسلمين، بل سخره لشعارات القومية العربية والحب والمحبوبين وأن بعض مصطلحاته كانت تشيع الفسق والفجور مثل قوله: «يا ولدي قد مات شهيداً من مات فداء للمحبوب»، وأنه كان يسخر في شعره من القدر خيره وشره، وان مواقفه من الهرولة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل ورفضه الانبطاح والخضوع للهيمنة الأمريكية لا تشفع له، لأن هذه المواقف لم تحقق ما طالب به! أيامها كتبت أقول إن معنى هذا الكلام الخائب انه لو حدث وتولى مجتهدو آخر الزمان هؤلاء حكم بلاد المسلمين فسوف يحرقون ديوان الشعر العربي كله، ويمنعون الصلاة على كل الأدباء والفنانين والمفكرين الذين يدعون للقومية العربية، أو لغيرها من الأفكار التي لا تتطابق مع فهمهم السطحي والمبتذل للإسلام وأضفت أقول إن ذلك أمر تدل كل الشواهد على أنه لن يحدث سواء بالنسبة لهم أو لغيرهم من الأصوليين الإسلاميين، لأنهم بما فعلوا ويفعلون لا يصدون المسلمين عن دين الله فقط، بل ويحرضون كذلك ضد الإسلام والمسلمين، ويعطون أعداءهم الذريعة لاقتلاع المسلمين من فوق خريطة الدنيا.. وبذلك لا يصبح هناك مسلمون لكي.. يحكموهم، ولا تعود هناك حضارة إسلامية لكي يدمروها. أما وقد أثبتت الأيام أن نبوءتي لم تتحقق وأن العكس منها هو الذي اقترب من التحقق، فإن ذلك يتطلب إضافة فصل آخر إلى الكتاب بعنوان نبوءات لها العجب.. ورحم الله نزار قباني الذي مرت ذكراه منذ أسبوعين ولم يتذكرها أحد والذي عاش حياته يحلم بوطن حر، لا يعاقبه حكامه لأنه قال قصيدة، أو رسم فراشة، فإذا ببعض أبناء هذا الوطن يجهضون حلمه حيا.. وميتاً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها