النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

قصـــــة «الــــــــــــــــدوار»!!

رابط مختصر
العدد 8439 الجمعة 18 مايو 2012 الموافق 27 جمادى الأولى 1433

أمضيت مع صديق رفقة طيبة امتدت سنوات، وكانت بحق رفقة من أزهى وأحلى السنوات التي أضافت الكثير إليّ؛ أجل إنها رفقة تركت بصماتها على المنحى الفكري والاجتماعي وكذلك الطبائعي، إن صح هذا التعبير، منحى تحددت فيه خياراتي وارتسمت فيه معالم طريقي الذي سلكته في الحياة. تشاركنا أنا وهذا الصديق في أفكار سياسية واجتماعية واقتصادية ومبادئ عقائدية وإيديولوجية، كانت في زمن ما قبل المشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد تتخفى وراء كثبان من أوامر الضبط الاجتماعي وممنوعاته، أفكارٍ كانت آنذاك تقع سياسيا في حيز المحظور والمُحارَب الذي ندفع كلفته الآن ونحن في خريف العمر. إلا أننا أمام متغيرات الحياة وضرورات الاستجابة لهذه المتغيرات لم نتمكن من تعهد علاقتنا تلاقيا يوميا مطردا ولم يكن بإمكاننا صد كل مؤثرات تلك المتغيرات؛ فخارت أمامها أواصر العلاقة وضعفت روابطها الوجدانية لتبقى ذكرى جميلة من ذكريات أحلام الشباب وأثرا لخبرة سياسية واجتماعية تَفَتَّح معها عقلانا على أدوات لتحليل واقعنا البحريني واستشراف ما ينتظره من غد باسم عنوانه الأكبر دولة المواطنة وحقوق الإنسان. وهنت أواصر الود بيننا وأحل «الدوار» محلها التجافي، إلا أن ذلك لم يؤثر في ثقافة كلينا حول إدراك مسألة الاختلاف وأهميته في شحذ همة البحث والدرس؛ فهو عندنا كِلَيْنا شرط البحرين التي كنا نحلم بها وعماد التدرب على المواطنة التي لا تنشأ إلا من خلال تقدير الحق في الاختلاف وعبر جعله دافعا من دوافع إرساء ثقافة العيش المشترك التي أدركها أجدادنا بعفوية الطبع ونقاوة السريرة. كان الجدل يشتد بنا كثيرا حول بعض المواقف السياسية أو الاجتماعية، ورغم ذلك فإنني تواق لتمضية ما بقي من العمر في ترهات عفوية ما عشناه معا وما خبرناه سوية ولو بطريقة استدعاء كل ذلك من ركام الذاكرة واجتراره. هذا الصديق العزيز هاتفني وبادرني بالقول «لقد قرأت ما كتبته حول «الدوار»، ولن أخفيك الحقيقة إذا ما قلت إنني لم أعجب بما كتبت، وإنني مختلف معك حوله جملةً وتفصيلا.» فأجبت قائلا: «ما الذي كتبته يا صديقي ولم يحظ بإعجابك، رغم أنني لم أخص «الدوار» يوما من الأيام بمقالة، غير أنني لا أنكر أنني كتبت عمن صاروا ركنا من أركان ذلك «الدوار»، وتناولت شيئا مما استطار من سلوك البعض الذي وقع موقع الألم بالنسبة إلى بحريننا الغالية التي نفخر بها أنا وأنت، وإن اختلفت منافذ مداخلنا إلى هذا الفخر وتعددت.» وبكلمات مرتجفة لم أفهم منها إلا حبا سيّالا لهذا البلد؛ حتى وإن بدا في محاجاته ما قد يفهم منه أنه يمضي في أفكاره على غير ما يمكن فهمه ضمن المتغيرات الإيجابية الضخمة التي حدثت منذ اعتلاء جلالة الملك عرش الحكم في المملكة، قال: «إنكم تكتبون عن «الدوار» في الوقت الذي لا تكتبون فيه عما كان يدور في هذا «الدوار» وما كان يمور في تفاصيل يومياته، وأنا أرصد منذ انتهاء تلك الأحداث ما تكتبون، وأدركت أنكم تعتقدون أن «الدوار» هو جمعية «الوفاق» وأن هذه الجمعية» هي «الدوار»، في حين أن الأمر يختلف عن ذلك تماما..» وأكمل كلامه قائلا «أردت أن أقول لك، وأرجو أن تبلغ ما أقوله لجماعتك في جريدة «الأيام» إن جمعية «الوفاق» لم تقد «الحراك» في «الدوار»، ولم تكن يوما فيه صاحبة قرار منفرد.» قلت: «هدئ من روعك يا صديقي واترك عنك المكابرة، و»الوفاق» عندما قادت، وهي إلى الآن تقود، لم تستشرك أو تستشر أيا من الجمعيات الأخرى التي كانت حاضرة في هناك، إذ أنها كانت واثقة من تبعية هذه الجمعيات لها. هذه التبعية التي تأسست منذ فترة في ما قبل الأحداث بزمن أعجب كيف لها أن تكون كافية لبناء مثل هذا التحالف «المتين» للبطش بكل المنجزات الديمقراطية التي تحققت في عشر سنوات ونكرانها؛ أي في الفترة التي أعقبت رحيل المناضل عبدالرحمن النعيمي، وهذا يثير كثيرا من التساؤل.» صديقي ابتدأ الحديث الذي أنقل إليكم أهم ما جاء فيه ولكنه، على ما بدا لي بعد حين، كان أول من ضاق بهذا الحديث ذرعا، فامتعض خاصة عندما اعترضت على وصفه لـ»الحراك» بالوطني بالقول: «إذا كان في كلامك بعض من الصحة، فهذا قد ينطبق على هذا الحراك المزعوم في أيامه الثلاثة الأولى باعتباره كان وقتها واضح المطالب، ولكنه في الأيام التالية انحرف عن ذلك المسار، ومال ميلا كليا بعد أن اختُطف منكم إلى جهة اللعب على الوتر الطائفي، وصار الوجه الطائفي المقيت واضحا لكل محركات الأحداث، بل بات وقودها ومصهر كل ما كان في بوتقة ذاك الحراك. وكان حريا بكل المؤمنين بالنضال السلمي، وأخص بالذكر هنا اليسار بكل أطيافه، الانسحاب من المشهد وترك الطائفيين عراة من كل غطاء وطني.» وأكملت قائلا: «أما بخصوص جماعتي في «الأيام» بحسب ما وصفتهم، فإنني أبشرك بأن ليس لي في «الأيام» جماعة سوى أن من يكتب فيها عصارة صوت معبر عن احتياجات الوطن وجدت فيما يكتبون لحونا تضيف إلى مسيرة الوطن خيارات مفتوحة على المدنية والتقدم». أنصت إليه وأنصت لي وعاد ليقول لي: «لقد أنسيتني الموضوع الأساس الذي بسببه اتصلت بك». سألته عندها: ما الموضوع؟ قال: «لدي كتاب أرجو أن تقرأه، وهو يحكي قصة «الدوار» وأبطاله..» فقاطعته قائلا: «إن قصة «الدوار» بالنسبة إليّ، كما بالنسبة إلى كثيرين غيري لا يكتنفها لبس فهي، بلغتها وتفاصيلها، واضحة وضوح الشمس. أما أبطال «الدوار»، فهي القصة التي يجب البحث عن أدوارها، ولا أعتقد أني سأجدها في كتاب أنتجته تخاريف الطائفيين وتجار النحل. ورغم كل هذا، فسأقرأ هذا متى تحصلت عليه بعيون من اكتحل بحب الوطن وعقل من آمن بأن البحرين حالة من العشق الكافر بكل من يروم لهذا الوطن انقساما.»

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها