النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

خطأ «البرادعي» الذي صححه بعد الأوان

رابط مختصر
العدد 8432 الجمعة 11 مايو 2012 الموافق 20 جمادى الأولى 1433

حزب الدستور تأسس بعد أن فقد زعيمه عباءة المخلص الذي جاء ليملأها عدلاً ونوراً.. بعدما ملئت ظلماً وجوراً أخيرا وبعد تردد طويل حسم «د. محمد البرادعي» -المدير العام السابق لوكالة الطاقة النووية- أمره، وأعلن في مؤتمر صحفي عقده هذا الأسبوع في نقابة الصحفيين المصريين عن بدء إجراءات تشكيل حزب برئاسته باسم «حزب الدستور. وعندما برز اسم «د. البرادعي» على الساحة السياسية المصرية في نهاية عام 2009، أثار إعلانه عن استعداده لخوض معركة الانتخابات الرئاسية، موجة عارمة من التفاؤل، وبدا للكثيرين من المصريين الحل الموفق السعيد لأزمة الركود السياسي الذي تعانيه مصر، والبديل الأكثر ملاءمة لكي يحل محل الرئيس السابق «حسني مبارك» بعد انتهاء فترة رئاسته الخامسة في خريف عام 2011.. والمخلص القادر على تجنيب مصر ويلات كابوس التوريث. لكن «د. البرادعي» وضع أيامها شروطا شبه مستحيلة لاشتراكه في السباق الرئاسي، كان من بينها مطالبته بإدخال تعديلات دستورية وقانونية تكفل تيسير شروط الترشيح لرئاسة الجمهورية، وتضمن إجراءها -هي والانتخابات البرلمانية- تحت إشراف قضائي كامل.. وهو ما اعتبره كثيرون، كنت من بينهم، بمثابة اعتذار عن خوض المعركة، إذ لو كان ذلك ممكنا دون نضال، لما كانت هناك حاجة من الأصل لأي مخلص سواء كان الدكتور «البرادعي» أو غيره. أيامها كتبت أدعو المدير السابق لوكالة الطاقة النووية أن يعود إلى بلده، لينضم إلى التيار الذي كان يناضل آنذاك من أجل تحقيق إصلاحات سياسية ودستورية ديمقراطية، تنطوي على ما يطالب به، وتتخطاه إلى ما هو اشمل منه، فإذا تحققت كلها أو بعضها خاض السباق الرئاسي، وإذا لم تتحقق نفذ إلى هذا السباق من الثغرة الدستورية الوحيدة في جدار الشروط التعسفية التي تحول دون ترشحه، بأن ينضم إلى حزب من الأحزاب القائمة والممثلة في مجلس الشعب.. وهو ما كان جناح قوي في «حزب الوفد» يرحب به بحكم أن «د. البرادعي» ينتمي إلي أسرة وفدية عريقة! وكان ذلك ما فعله كثيرون على صفحات الصحف التي تبنت واحدة أو أكثر منها حملة الترويج لـ»البرادعي» رئيسا انطلاقاً من توهمها بأنها تستطيع أن تصنع الأخبار وليس فقط أن تنشرها. ومن الصحف انتقلت حملة الترويج للبرادعي رئيسا إلى شاشات الفضائيات، ومنها إلى آلاف المواقع الالكترونية التي كان يحررها شباب ساخطون محبطون يبحثون عن أي بديل متاح للنظام السابق، فبدا لهم أن المدير العام السابق لوكالة الطاقة النووية، هو مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ مصر من الركود ومن التوريث، مع أنهم لم يكونوا يعرفون الكثير عن الرجل، ومع أنه هو نفسه، لم يكن يعرف الكثير عن أحوال مصر الداخلية التي لم يسبق له أن أبدى فيها رأيا، أو خاض على ساحتها نضالاً. ولأن «البرادعي» لم يكن يعرف الكثير عن أوضاع مصر الداخلية، أو يملك تصورا للنظام البديل الذي يحل محل النظام الذي انتهى عمره الافتراضي، فقد اكتفى بطرح برنامج يقتصر على الأمور الإجرائية المتعلقة بنزاهة الانتخابات البرلمانية والرئاسية، دون أن يطرح رؤية للمستقبل، وعلى العكس مما هو منطقي، فإن هذا الغموض في شخصيته وفي أفكاره، كان من أهم عوامل جماهيريته الواسعة، خاصة بين الشباب إذ أتاح لهم مساحة واسعة لإسقاط أحلامهم الوطنية غير المتبلورة على شخصه، حتى أصبح بعضهم أقرب إلى المريدين الذين يتحلقون حول قطب الرجال المتجلي، الذي جاء ليملأها عدلا ونورا، بعدما ملئت ظلما وجورا، فما يكاد الواحد منهم يقول «يا برادعي هات».. حتي يقول له على الفور «خذ»! وكان الذي يعرفه الجميع: سعي الباحثين عن مخلص من دراويش «البرادعي» للاتصال به في مقر عمله بـ»فيينا» يطلبون إليه العودة إلي مصر، وينظمون له استقبالا في مطار القاهرة، قادتهم المبالغة إلى المقارنة بينه وبين استقبال المصريين لـ»سعد زعلول» عند عودته من منفاه عام 1921، وفي أول اجتماع لهم به كان يفترض أن يكون للتعارف أجبروه على تشكيل الجمعية الوطنية للتغيير، كإطار منظم للعمل ما لبث أن تفكك بعد شهور، بسبب غيابه الطويل عن مصر وبسبب الخلاف بين القوي السياسية التي احتشدت في قيادتها وعدم انسجام الرؤي فيما بينهم وبينه، وفيما بينهم وبين بعضهم البعض. وخلال العام الذي انقضي بين ظهوره على الساحة السياسية المصرية وبين ثورة 25 يناير التي انفجرت بينما كان -كالعادة- خارج البلاد، تبلورت اشكالية البرادعي السياسية في ثلاثة وجوه مترابطة: الأول: هو تركيزه على المطالب الإجرائية الخاصة بنزاهة الانتخابات دون أن تكون لديه رؤية واضحة للبديل الذي يحل محل النظام السابق، وهي المطالب ذاتها التي كانت تركز عليها جماعة الإخوان المسلمين قبل الثورة، مع فارق مهم هو ان الجماعة كان لديها بالفعل مشروع بديل، تسعى -بقصر برنامجها المطلبي على المسائل الإجرائية- إلى افساح الطريق أمامه، عبر الاحتكام إلى صناديق الانتخابات وقد حققت ثورة 25 يناير هذه المطالب الإجرائية، واجريت الانتخابات النزيهة، لتفوز فيها ويصبح مشروعها هو المشروع البديل للنظام السابق وليس «مشروع البرداعي» الذي قال إنه لن يطرحه إلا عندما يكون مرشحا للرئاسة، ثم انسحب من السباق قبل أن يطرحه. الوجه الثاني: إنه رفض كل شكل من أشكال التنظيم، على الرغم من إلحاح مريديه عليه وقبل تشكيل الجمعية المصرية للتغيير مضطرا ثم تخلى عنها باختياره، ولم يطرح خلال ما يقرب من ثلاثة أعوام بديلا تنظيميا سواء لها على شكل حزب أو ائتلاف ثوري، أو اتحاد وطني، أو غيرها من المسميات التي شاعت قبل الثورة أو بعدها، ولم يسع لبناء جبهة وطنية لتحقيق هدف المتوافق حول مشتركات وطنية تكون الأساس الذي يقوم عليه البديل الثوري الديمقراطي للنظام السابق. الوجه الثالث: إنه لم يتحمس بالقدر الكافي للاتصال المباشر بالجماهير وقصر صلته بها على وسائل الاتصال الالكترونية كالفيس بوك وتويتر وغيرهما، وهي مجرد وسائل يمكن أن تصلح كوسيلة للحشد والتبعئة حول شعارات عامة، أو مواقف مؤقتة، ولكنها لا تكفي وحدها لبلورة رؤية سياسية موحدة، أو تكوين إرادة سياسية محددة، إذ الذي يحقق ذلك هو العمل الحزبي المنظم الذي يقوم على علاقة الوجه بالوجه وعلى الاتصال المباشر والعمل اليومي المتصل بين أعضاء الحزب! تلك هي الاشكاليات الثلاث التي وقع فيها البرادعي، والتي أحبطت الآمال العريضة التي أسقطها عليه الدراويش الذين أحاطوا به عندما ظهر على الساحة السياسية قبل ما يقرب من ثلاث سنوات، ولو أنه لم يكن قد وقع فيها لكانت الأوضاع في مصر في أعقاب ثورة يناير قد تغيرت عما انتهت إليه اليوم، لكن عدوله عن هذا الخطأ الآن، بإعلانه عن تشكيل «حزب الدستور» ليكون حزب الثورة، لا يعني أن الآمال التي تعلقت به قد أصبحت قريبة أو سهلة، لأنه تصحيح يأتي بعد الأوان، وبعد أن تغيرت الخريطة السياسية وأصبح في مصر 54 حزبا غير مئات الائتلافات تدعي تمثيل الثورة، وفقد «البرادعي» عباءة المخلص الذي جاء ليملأها عدلا ونورا.. بعدما ملئت ظلماً وجوراً.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها