النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

..ويبقى التســــامح عنــــــواناً بحرينـــــــياً

رابط مختصر
العدد 8418 الجمعة 27 إبريل 2012 الموافق 6 جمادى الأولى 1433

التسامح من القيم الاجتماعية التي كانت عبر التاريخ عنوانا كبيرا على يافطة العلاقات الاجتماعية البحرينية. وشخصيا تغريني تركيبة هذه القيمة أبجديا، ويجذبني كل ما اتصل بموضوع الكتابة فيها وعنها، فضلا عن أن مسحتها الإنسانية البالغة الرقي محل قداسة في ضميري. ولن أجادل إن قيل لي بأن التسامح هو البذرة الأولى لاستزراع مبادئ حقوق الإنسان في أي مجتمع ولن يملك عقلي إلا القبول به محكا لاحترام إنسانية الإنسان، لا لشيء إلا لأنه هو المفتاح الأمثل لقبول المختلف في التجمعات الإنسانية أيا كانت ثقافاتها ومعتقداتها. وقبول المختلف هو السماح للوئام بأن يسود بين المختلفين، وهكذا تتفتح آفاق جديدة تسمح بانطلاق التنمية بين مكونات المجتمع الواحد بمعزل عن الخضات الاجتماعية المتولدة من غياب قيمة التسامح أو سيادة نقيضه التعصب. وكم هي عديدة المجتمعات المتعددة الأعراق والأديان والمذاهب التي تحتاج إلى مثل سيادة هذه القيمة في علاقات ناسها لترتسم لها، بإرادة جمعية، صورة سريالية! فما هو مفهوم التسامح؟ وما أهميته للجماعات والتجمعات؟ يحمل مفهوم التسامح في طياته مجموعة من القيم المندغمة في مفهوم واحد جامع شامل يضع الاختلافات في الرؤى ضمن سياقها التفاعلي المفضي إلى مزيد من الاندماج المجتمعي والانفتاح على المغاير في العقيدة والفلسفة والفكر. شخصيا يحلو لي أن أشير من زاوية الباحث سميح محسن، الباحث في قضايا حقوق الإنسان، إلى تعريفه لمفهوم التسامح؛ إذ يقول: «إن التسامح قيمة أخلاقية أولا إذ لا يمكن فهمه إلا كنقيض للتعصب، وقيمة فلسفية صقلتها تجارب التعايش، وقيمة دينية لا يمكن فهمها بعيدا عن مفهوم المحبة والإخاء، وقيمة حقوقية تشرع لعدم التمييز وتحدد الحقوق والواجبات في إطار المواطنة» وإذا كان الأمر قد استقام وثبت في شكله الذي نشهده وبات مثلا يُحتذى به في تأسيسه لمنظومة من القيم التي ظهرت من معطف التسامح فإنه حري بالمثقف العربي المسكون بالقلق والمستوطن بالخوف على حاضر وطنه ومستقبله الذي بات على كفوف عفاريت الأصولية، المنتمية لمختلف المنابت الفكرية والدينية، أن يبادر إلى حمل مشعل التغيير وعدم الركون إلى السائد والمحنط من القيم. والمثقف لن يكون لصيقا بهموم الناس ومعبرا عن تطلعاتهم طالما اعتلى برجه العاجي وغاص في وثير معطيات نتاجاته الفكرية والأدبية وراح يسامر صنوه في جماليات نصه الأدبي أو استنتاجاته الفكرية المستخلصة من واقع أكاديمي غابت عنه صور الحياة بنبضها الجماهيري واكتفى بتثقيف ذاته منسلخا عن جسد مجتمعه وفكره. ولو أن الأمر كان في أوروبا مع حكم الإقطاع المتحالف مع الكنيسة الكاثوليكية في أواخر القرن السابع عشر على هذا المنوال لما تحركت هذه القارّة قيد أنملة في طريق التقدم. فما كان يميز أوروبا عن البلدان العربية هو أن بلدان أوروبا قد عبرت نفق العصور الوسطى، واجتازت ظلامية زمنها، ودخلت عصر النهضة عبر مسافات زمنية تنويرية طالت في بعض بلدانها وقصرت في بعضها الآخر. وهذا هو ما نحتاجه بالضبط كي نحدث الرجة المطلوبة في بعض موروثاتنا القيمية المعوقة لنهضتنا، وتوسعة مداركنا لاستيعاب المتغيرات والتعايش معها. ففي ألمانيا، على سبيل المثال، انبرى فلاسفة التنوير مثل هيغل وكانط وغيرهما كثير لتناول تراثهم الديني من واقع قراءة تأويلية جديدة وضعت نفسها على مسافة متباعدة عن المس بروحانية الدين أو الحط من قدر المؤمنين به، في ذات الوقت الذي استخدموا فيه أقسى أنواع النقد المبني على تفاسير تحررية متصادمة مع السائد والمسيطر، وهو المجهود نفسه الذي حاول بعض المفكرين العرب الاقتداء به فنجحوا في صناعة نخبة نيرة نعقد عليها آمال تحرير العقول وتنويرها، وفشلوا في إحداث الرجة الاجتماعية المطلوبة للخروج من قوقعة التعصب الديني لمعانقة أنوار العقل والتسامح وهوامش التعدد والاختلاف. غير ان هذه الملاحظة قد تستدركها علينا حركة التاريخ فأوروبا، وبالذات في وسطها، قد استغرقت وقتا طويلا في نشر مفهوم التسامح بين شعوبها باعتباره مفهوما تم تعاطيه مع ظهور البروتستانتية في القرن السادس عشر، وظلت من ثم ترزح تحت نير التعصب الكنسي القروسطي، وهو ما يجعلنا نأمل من غربال التاريخ أن ينخل ما يتخلل واقعنا الاجتماعي والفكري من شوائب تعصب لنا أن نعدها أشد الظواهر خطرا على كينونة المجتمع واستمراريته الثقافية والحضارية المرتبطة عضويا بقدرته على التجدد من خلال استحداث نخبه النوعية آليات تفكير إبداعية تخرج عن حدود السبل المسطورة. إن تأمل واقعنا العربي الراهن قد يجعل الأمر يبدو مختلفا مع المثقف العربي لجهة تَيسر مهمته بالمقارنة مع ماضي حركات الإصلاح في الغرب وفي البلاد العربية؛ ذلك أن التسامح مسلك يحثنا عليه ديننا الإسلامي، وتلزمنا به قيمنا المجتمعية، فضلا عن أنه بات وعاء لمجموعة من القيم لا يستقيم الأخذ بها دون تشرب مفهوم التسامح والوعي بمتطلباته. فالتوظيفات السياسية والاجتماعية والنفسية لمفهوم التسامح المعمول بها في الغرب لا تُلغي حقيقة أن نهج التسامح له امتداداته التاريخية العميقة في مجتمعنا العربي والإسلامي. وبصرف النظر عن إشكاليات طرح قيمة التسامح في الراهن العربي والتي تعود إلى التمسك بالتفسير السلفي للقرآن، فإنه لا بد للمثقف العربي من أن يحرص على استثمار هذه القيمة لفتح أبواب أوسع للحوار مع الذات قبل الآخر، وذلك لدحض الآراء والأفكار ذات المنبت الشيطاني، والتي تستزرع الطائفية، وتشيع الكراهية ومستويات مختلفة من التمييز العنصري والعرقي والجنسي. التسامح هو الأصل وهو الصفة الملازمة لكينونتنا البشرية، والتطرف في التفكير والطرح هو نقيضه، وهو الذي يشكل خرقا للعادة وتجاوزا للداخل الإنساني. وإذا ما تم تناول الأفكار في مناخ من الحرية والشفافية بعيدا عن الإرهاب الفكري الذي يمارسه نفر يدعي امتلاك كامل الحقيقة، وراح يؤسس قناعاته من واقع فهمه للظواهر، واعترافه بحق الآخر في أن يختلف معه، كانت النهايات لمسعى كهذا تصب في خانة التحرر من السائد المُقيد لحركة التقدم، وتسجل اختراقا للمفاهيم المضادة للتسامح المتسربة إلينا مع فورة المذهبية والطائفية القادمة إلينا مستوردة من إيران ومن المناطق التي بسطت عليها إيران تأثيرها، وحتى سيادتها، لتهدد ما وجدنا عليه نسيجنا الاجتماعي المتسامح والمتراحم، فهل تستطيع إيران اختراق مجتمعنا؟ أعتقد بأنها لا تستطيع إذا ما احتكمنا إلى منطق التاريخ الذي هو أبقى من كل منطق إيراني أفاك.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها