النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

قـــــــلالـــي فـــــــــــي «تــويـــــــــــتر»

رابط مختصر
العدد 8411 الجمعة 20 إبريل 2012 الموافق 28 جمادى الأولى 1433

على نحو بدا مثيرا للسخرية جاء خبر زميلتي الذي زفته لي بادئة بهذا السؤال «هل اطلعت على ما كان مكتوبا في الـ(تويتر)»؟ قلت متى؟ وما كان مكتوبا؟ فإذا ببساطة السؤال وعاديته تتحول في سياق عفوية طرحه إلى صاعق إذ قالت الزميلة: «كان ذلك قبل يومين! ومفاده أن الطائفيين يريدون أن يشطبوا اسم قلالي من الخريطة تمهيدا لاقتلاعها من المكان؛ لأنها بحسبهم تقطع الامتداد الجغرافي لخط «الثورة» المكمل لقريتي سماهيج والدير بمحافظة المحرق، وهي بهذه الصورة تشكل حالة نشاز لا يحتملها المشهد الوطني! قلت، مذهولا مما لحق بأخلاقنا من تشويه لا يليق بمتحضرين! ولا يحتمله العقل البحريني الذي جبل تاريخيا على حب الآخر واحترامه: قلالي؟! ومن الذي يريد أن يشطبها أو يقتلعها، أتعرفين ان قلالي على مدى تاريخها لم نسمع نحن أبناؤها من الآباء إلا أنها كانت تستجمع الحب من على شواطئها وتختزنه لتنشره فيما بعد أريجا يضوع عبقا على من حولها. قالت: «نعم قلالي! ويعني من في رأيك غير الطائفيين المذهبيين يتجرأ على قول مثل هذا الكلام الجارح الذي لا يعبأ ولا يعير انتباها لمن حوله. قالتها وتركتني مستغرقا أتأمل كلامها واستدعي الماضي الذي كنا فيه طلبة صغارا بمدرسة سماهيج الابتدائية وأستحضر الصداقات التي لم تنقطع أبدا منذ ذلك الحين وحتى هذه اللحظة الطائفية بامتياز التي زجتنا فيه جمعية «الوفاق» وشقيقاتها ومشتقاتها، وها نحن حائرون كيف لنا الخروج من هذه الأزمة الطاحنة. تمعنت في كلامها مليا ولملمت المشاهد المبعثرة في ذاكرتي لأشكل منها صورة إجمالية للعلاقات الودية والوردية التي كانت تربط أهالي القرى الثلاث، محل الحديث، واستوقفتني صورة لن أنساها ما حييت وهي تلك الصداقات التي كان ينسجها أهالي قلالي مع أهالي سماهيج والدير، وقد كانت هذه الصداقات تُترجم عملا تراحميا تحاببيا متبادلا بينهم، ومن بين مظاهره التشارك في بناء مصادر الرزق مثل «الحضور» و»المساكر» وهي «مصائد للأسماك»، فسألت سؤالين أولهما «أيعقل أن يكون هذا المرض الطائفي الخبيث قد تفشى فينا بهذه الدرجة وبهذا العمق حتى بتنا نتطاول على الماضي ونستخف ببناء المستقبل، مستقبل على أبنائنا أن يتأقلموا فيه وفق ما سوف نوفر لهم من إمكانات العيش المشترك؟» وثانيهما: «كيف استطاعت قيادات (الوفاق) بعد إخفاقها في هدفها الرئيسي المتمثل في إسقاط النظام أن تحول هذا الهدف إلى «مطالب إصلاحية» هي كاذبة لا محالة؟ كاذبة لأنها خارجة عن نطاقها السلمي الذي اتسمت به حركة النضال في البحرين منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى الثمانينيات؛ حتى تأتينا جمعية «الوفاق» وشقيقاتها ومشتقاتها وتستخدم أكثر الأدوات عنفا ضد الدولة والمجتمع؟» فهل كانت كوادر «الوفاق» بهذه السذاجة حتى تنطلي عليها كذبة هذه الجمعية الوالغة في الدم البحريني والمسؤولة عن كل الضحايا الذين سقطوا منذ الرابع عشر من فبراير وحتى اليوم؟ بهذا الخبر الذي لا أعرف كيف أصفه في خضم هذه المذهبية المقيتة التي تتصدرها جمعية «الوفاق» وتضطلع قيادتها فيها بدور العراب قررت أن أُعرف بقلالي الجميلة بلد النوارس ومحضن أسرابها، التي احتضنتني في دفئها وفي كنفها ترعرعت، وأقول لمن لا يعرف قلالي من غير البحرينيين وحتى لبعض البحرينيين الذين تسربت إلى عقولهم مقولات «الوفاق» الطائفية لتدق إسفينا من الكراهية والبغضاء في العلاقات بين الناس، أقول بأنها كانت منذ أزمان قرية وادعة وديعة منهمكة بالعناية بما تختص به في دورة البلد الاقتصادية. فهي تدفع للأسواق باللآلئ والأسماك، وتبدع للناس من معاناة هاتين المهنتين فنا جميلا اسمه فن «الفجري» ليغدو رتم هذا الفن جامعا لكل أشكال الفنون البحرية الأخرى ومتجذرا في ثقافة أهل الخليج كافة وليس في ثقافة أهل البحرين فحسب. أما اليوم فإن أبناء قلالي يتوزعون على مؤسسات الدولة، وهي ذاتها، أي قلالي، تحتضن منطقة أمواج التي تعتبر من أحدث الواجهات الحضرية التي تشير إلى الرخاء الاقتصادي الذي يتحقق للبحرين في عهد جلالة الملك حمد. كانت قلالي دائما فخورة بما لديها من سفن البحر، وهي تمخر بها عبابه بحثا عما يسهم في رفاه البلد وتعمل مع غيرها من أهالي المدن والقرى على تحسين شروط الحياة. لم يكن هناك ما يشغل أهلها غير ان يكونوا عند وعد آبائهم بإظهار ما تعلموه منهم. فماذا تعلم الأبناء من الآباء؟ إنه لسؤال في غاية الأهمية، لقد تعلموا منهم التسامح والمحبة، تعلموا منهم أن السماهيجي أو ابن الدير هو واحد من هذا العقد الاجتماعي الذي تفخر به البحرين التعددية. واحسب أن هذا الدرس هو من أعظم الدروس الوطنية الذي تعجز «الوفاق وشقيقاتها ومشتقاتها» عن استيلاد مثلها. كانوا على علم بما كان يربطهم من جيرات طيبة كانوا معها على تواد حميم. لقد كان أبدا على يمين قلالي تقع سماهيج وعلى بعد أمتار من سماهيج لجهة الغرب تجد الدير وهذا هو القدر الجغرافي الذي وجدنا أنفسنا فيه وقبلنا به وهو لن يتغير. لم نعهد من بعض أبناء قلالي أو سماهيج أو الدير هذا العنف الذي يبدو أنه يؤسس لحالة من علاقة ملتبسة لم تكن معهودة على مدى أزمان الماضي إلا بعد أن طفحت المذهبية على السطح لتكون هدفا استراتيجيا للحراك الاحتجاجي الذي تزعمت يومياته جمعية «الوفاق» بكل صلف وعنجهية. فهل سيكون تغيير الجغرافيا هو المخطط القادم لجمعية «الوفاق»؟ يجوز؛ لأن التجربة مع هذه الجمعية علمتنا بأن سعيها لا محدود في تغيير الثوابت، فمثلما سعت حثيثا إلى ربط البحرين بإيران من خلال ولاية الفقيه، فلن نعجب إن هي سعت إلى تغيير الجغرافيا وتصحيح مسارها!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها