النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11927 الجمعة 3 ديسمبر 2021 الموافق 28 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:45AM
  • الظهر
    11:27AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

من شابه أباه فما ظلم!

رابط مختصر
العدد 8406 الأحد 15 إبريل 2012 الموافق 23 جمادى الأولى 1433

في شهر مارس المنصرم، وفجأة ودون مقدمات، وافقت كوريا الشمالية على تعليق تجاربها النووية والصاروخية وأنشطتها ذات العلاقة بتخصيب اليورانيوم التي كشفت عنها للمرة الأولى في 2010، والسماح للمفتشين الدوليين بزيارة مرافقها النووية، معلنة أن ذلك يأتي في إطار اتفاق مع الولايات المتحدة، تقوم الأخيرة بموجبه بتقديم 240 ألف طن من المساعدات الغذائية (مخصصة معظمها للأطفال والنساء الحوامل وكبار السن) مع فتح الباب أمام إرسال مساعدات أخرى. أثار الحدث جدلاً واسعا في العالم، ولا سيما حول توقيته ودواعيه. لكن الرأي الغالب تمثل في أن القرار الكوري يجب ألا يوحي بأن الصبي الغض قليل التجربة (كيم جونغ أون) الذي خلف والده الراحل (كيم جونغ إيل) في حكم هذه الدولة الستالينية صاحب عقل راجح لا يسعى إلى المشاغبة، أو صاحب سياسة رشيدة يريد بها إخراج بلده من ظروفها الكئيبة، بقدر ما هو نتيجة لبلوغ حالة الاختناق الاقتصادي الشديد التي تعيشهما كوريا الشمالية منذ سنوات طويلة إلى أقصى مدى. ولعل من المفيد هنا أن نشير إلى أربع حقائق فقط كدليل على صحة كلامنا هذا: الحقيقة الأولى: أن بيونغيانغ بمجرد تولي زعيمها الجديد مقاليد السلطة تبنت لهجة متشددة حيال واشنطون وسيئول، بل أعلنت حينها أن مناورات الدولتين العسكرية المشتركة المقررة بتاريخ 27 فبراير المنصرم هي استعداد للحرب، وأنها تحتفظ لنفسها بحق الرد. وهذا يعني أن سياسة بيونغيانغ القائمة على الشغب والعنتريات والمماحكة لم تتبدل مع مجيء كيم الصغير (على الاقل في الفترة التالية مباشرة لتنصيبه) الحقيقة الثانية: أن العديد من المصادر الموثوقة أشارت في أواخر العام المنصرم إلى أنباء عن قرب التوصل في بكين إلى اتفاق ما بين متفاوضين من واشنطون وبيونغيانغ حول وضع حد للتجارب النووية للأخيرة (أجرت التجربة الأولــــى في 2006 ، والثانية في 2009) مقابل رفع العقوبات وتقديم المساعدات. إلا أن موت «كيم جونغ إيل» المفاجئ أعاق إتمام الاتفاقية وأجـّله. وهذا يدل على أن الخطوة الكورية الشمالية الأخيرة لم يكن مصدره كيم الصغير، ولا علاقة لها بحكمة أو رؤية صائبة مزعومتين. الحقيقة الثالثة: أن اشتراط بيونغيانغ على واشنطون أن تكون المساعدات الغذائية الضخمة هي ثمن لموافقتها على وقف أنشطتها النووية والصاروخية والتخصيبية - ولا سيما تلك التي تجريها في «بيونغبيون» - لهو دليل على أن ما أملى على قادة بيونغيانغ إتخاذ قرارهم المفاجئ هو استمرار تفشي المجاعة التي اجتاحت بلادهم في تسعينات القرن الماضي، وبلوغها مستويات قاتلة. الحقيقة الرابعة: وهي تتمة للحقيقة الثالثة ومفادها أن البلاد تعاني نقصا شديدا في الكهرباء، وأن هذا النقص يــُفترض أنه أضاف إلى فقر ومجاعة المواطنين معاناة جديدة تتمثل في الظلام الدامس وانعدام وسائل التدفئة، وما يتبعانهما من تضرر الأنشطة الإقتصادية اليومية. ولولا هذه الحقيقة لما حرص الكوريون الشماليون على أن يعلنوا أن اتفاقهم مع الامريكيين يتضمن تزويد واشنطون لهم مستقبلا (أي لدى استئناف المحادثات السداسية الخاصة ببرنامج بيونغيانغ النووي) بمفاعلات تعمل بالماء الخفيف لتوليد الكهرباء. وعلى الرغم من ترحيب سيئول وطوكيو وموسكو وبكين ووكالة الطاقة الذرية الدولية بالاتفاق الامريكي – الكوري الشمالي، إلا أن المخاوف ظلت قائمة من حدوث ما قد يبدد الأحلام في احتفاظ الاتفاقية بزخمها وصولا إلى إبرام معاهدة سلام تنهي رسميا الحرب الكورية (1950 – 1953 )، أي على المبدأ الذي انطلقت منه المحادثات السداسية لأول مرة في سبتمبر 2005. والمخاوف مردها، بطبيعة الحال، ما عـُرف عن حكام بيونغيانغ وساستهم بالتجربة من مراوغة وتحايل وابتزاز وسلوك أرعن. ولعل هذا يفسر قول وزيرة الخارجية الامريكية «هيلاري كلينتون»، أن الاتفاقية «تشكل خطوة أولى متواضعة على الطريق الصحيح» مضيفة «إن الولايات المتحدة ستراقب الأمور عن كثب، وستحكم على قادة كوريا الشمالية من خلال أفعالهم». والاتفاقية بالفعل ليست سوى خطوة أولى، لأنه كي يرفع مجلس الأمن الدولي العقوبات التي فرضته على بيونغيانغ، فإن على الأخيرة أن تعود إلى المفاوضات السداسية، وأن تثبت جديتها في التفاوض حول إعلان شبه الجزيرة الكورية منطقة خالية من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل. غير أن ما لم تقله الوزيرة الامريكية هو أنها حققت بهذه الإتفاقية نصرا دبلوماسيا، يوازي نصر بلادها العسكري في قتل أسامة بن لادن، وأن النصرين يصبان - أو هكذا يـُراد لهما – في صالح حملة الرئيس الامريكي «باراك أوباما» للفوز بفترة رئاسية جديدة. ومن المعروف أن إدارة أوباما ألزمت نفسها بالتعاطي المريح مع الملف النووي الكوري الشمالي، بمعنى الصبر، وضبط النفس، والامتناع عن التلويح باستخدام القوة على النحو الذي إعتاد عليه سلفه «جورج بوش». بعض المصادر من تلك الداعمة لتل أبيب في الإدارة الامريكية، حذرت إدارة أوباما من أن تغتر بما حققته مع بيونغيانغ من نجاح بواسطة الصبر والضغوط والعقوبات الاقتصادية، فتراهن على نجاح الأسلوب ذاته في تعاطيها مع الملف النووي الإيراني، قائلة أن «اوضاع البلدين مختلفة وكذا طريقة تفكير ساستهما، والأسس التي ينطلقون منها لمد نفوذهم». مصادر امريكية أخرى، سياسية وأكاديمية، طالبت إدارة أوباما بأن تكون حذرة، بمعنى ألا تنخدع بوعود الكوريين الشماليين بشأن أسلحتهم النووية والصاروخية، قائلة أنه «من المستحيل عليهم أن يتخلصوا من ترسانتهم ومنشآتهم تحت أي بند أو اتفاقية، وأنهم قد يلجأون إلى ألاعيب للاحتفاظ بها لأنها سلاحهم الرادع ضد أي محاولة داخلية أو خارجية لإسقاط النظام الديكتاتوري» المترهل الذي أسسه كيم إيل سونغ الذي ستحتفل بيونغيانغ في العام القادم بمرور مائة سنة على ميلاده. هذه المناسبة التي يقال أن بيونغيانغ تستعد لها من الآن، وتحاول جاهدة أن تبدو خلالها في نظر شعبها صاحبة إنجازات. وفي هذا السياق، قيل أن بيونغيانغ تتحرك في اتجاه موسكو لمد خط أنابيب للغاز إلى كوريا الشمالية ومنها إلى الجنوب وإلى اليابان، وفي اتجاه بكين للاستفادة من قطاع المناجم والمرافيء في كوريا الشمالية، وفي اتجاه سيئول أيضا لتنشيط المنطقة الاقتصادية الخاصة بين البلدين (تديرها 123 شركة كورية جنوبية ويعمل بها 50 ألف كوري شمالي). لكن سرعان ما تبين صدق توقعات المصادر الأكاديمية والسياسية الامريكية التي أتينا على ذكرها. إذ عاد نظام الصبي الطائش في بيونغيانغ إلى ممارسة ألاعيب أبيه ومراوغاته من جديد، فأعلن عن قرب إطلاق صاروخ يحمل قمرا صناعيا إلى الفضاء الخارجي تحت اسم القمر «كوانغ ميونغ سونغ (النجمة المضيئة) بمناسبة ذكرى ميلاد جده. وفي الأسبوع الماضي تبين من صور التقطتها الأقمار الصناعية الكورية الجنوبية أن هناك أعمالا تجري على قد وساق لإجراء تجربة نووية ثالثة، مثل حفر نفق في بلدة «بونغي ري» بمقاطعة «كيغلو» الشمالية الشرقية التي كانت مسرحا للتجربتين النوويتين السابقتين. والحال أن نظام بيونغيانغ، مثله مثل النظامين الإيراني والسوري، لجهة الاستمرار في المراوغة والخداع ونقض المواثيق والتعهدات.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها