النسخة الورقية
العدد 11004 الأحد 26 مايو 2019 الموافق 21 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:23PM
  • العشاء
    7:53PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

هل يجب أن نكون متشابهين؟!!

رابط مختصر
العدد 8404 الجمعة 13 إبريل 2012 الموافق 21 جمادى الأولى 1433

لن نختلف ولن نتجادل كثيرا على أن الأحداث الخطيرة المفتعلة التي ألمت بالبحرين فجأة ومن دون مقدمات، بخلاف أنه قد حُدِّد لها موعد في الرابع عشر من فبراير من العام 2011 أحال به الجماعة فرح الشعب بهذا اليوم في الذاكرة البحرينية حزنا، قد أحدثت شرخا اجتماعيا غائرا في الوجدان الجمعي. لقد كانت تلك الأحداث من الضخامة والجسامة بحيث لم يعد بالإمكان تصور الحياة الاجتماعية، بصفتها الوعاء الذي تنتظم فيه الأنساق السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية، ستأخذ ذات المنحى الانسيابي العفوي الذي كان حاكما لها قبل الأحداث. في المحصلة النهائية والتقييم الأخير أيُعد ذلك حالة سيئة للدرجة التي يصعب التعافي منها، أم أن علينا الاعتبار مما حدث ليستدخل ضمن الدروس الوطنية القاسية التي ينبغي الاستفادة منها؟ فالأحداث من وجهة نظري أظهرت كما هائلا غير مسبوق من السلوكات الطائفية العنيفة التي أحدثت معها فاصلا قسريا هو عبارة عن توقف للحياة الاجتماعية المعهودة رافقه انقطاع كثير من الصداقات القديمة وتفككها وتولدت معه صداقات أخرى قامت على معطيات جديدة. أردت من هذه المقدمة أن أقول بأن الحياة المتدفقة مثل نهر سيّال لا يمكنك السّباحة في مياهه نفسها مرتين كما قال هيروقليطس أحد الفلاسفة اليونانيين، وذلك بسبب استمرارية تدفق هذه المياه وتجددها في النهر بصورة مستمرة، فأنت في مجرى هذه الحياة تلتقي أناسا كثيرين بعضهم تختاره صديقا لك وهو يختارك على قاعدة ما يسكن كليكما من مشتركات قيمية ومُثُل غايتكما منها معا تعزيزها عند بعضكم البعض ونشرها بين الأحباب والأصحاب. تختلف أزمان قيام مثل هذه الصداقات وأطرها الظرفية وتتأثر استمراريتها بتعزز هذه القيم والمُثُل أو بتزعزعها، وبعضها صداقات يرتبط وجودها بأيام الطفولة في الحي الواحد، وقد ترتقي وتستمر من بعدها في المدرسة. ولكن الصداقات التي تنشأ في الجامعة إنما هي صداقات من طبيعة أخرى، مختلفة تماما، يمكن أن تنشأ عندما تنضج أطراف العلاقة. وقد وددت أن أحدثكم عن ملخص علاقة صداقة لي شخصية تعز عليّ، وأذكر هذه العلاقة وأنا متيقن أن هناك مثلها كثيرا في المجتمع البحريني مثالا لكل العلاقات التي تأثرت تأثرا شديدا بما آلت إليه الظروف الاجتماعية بعد الأحداث بل وفي أثنائها لعلكم تجدون فيها ما يفسر هذا الشرخ الاجتماعي وعمقه، أو تستدلون من خلالها على حجم هذا الشرخ الذي أحدثه الدوار قبل الشرخ الطائفي الذي هو أساس الاحتجاجات من ألفها إلى يائها، وتلعنون معي تلك الأيام المشؤومة التي نرجو أن نكتسح آثارها المدمرة بإرادتنا في التمسك بالنظام السياسي القائم والعمل على تطويره وفق ما يبشر به المشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد. لقد أردت من خلال حديثي الموجز عن هذه العلاقة أن أوصل إلى صديقي رسالة شخصية أخبره فيها بأنني مازلت أعتبره صديقا عزيزا عليّ مهما ادلهمت الصروف والظروف، وحتى لو أننا لم نعد متشابهين كما كنا قبل 2001، فالتشابه يا صديقي ليس ضروريا لاستمرار صداقتنا ولتدفق العلاقات الاجتماعية عامة بتلك العفوية التي عهدناها في زمن آبائنا. لم أكن أعدّ صديقي الذي أحدثكم عنه يوما إلا أخا لي ثالثا، هكذا كانت وصية المرحومة أمي لي، وكانت وصيتها له أيضا قبل أن تنتقل إلى رحمة الله بثمان سنوات. وللأمانة أنه لم يشعرني قط بغير ذلك طوال ستة وثلاثين عاما، أي حتى الرابع عشر من فبراير 2011، ولكني فوجئت ذات يوم بُعيد أحداث ذلك اليوم المشؤوم، ببرودة مشاعره تجاهي عندما هاتفته تلبية لشعور بالشوق والحنين اللذين طرقا باب قلبي ودفعاني إلى السؤال عنه، وصُعقت أكثر عندما بدأ يسائلني في أفكاري وتوجهاتي السياسية التي يعرف أنها قد تغيرت منذ بدء الإصلاحات السياسية لجلالة الملك، هذه الإصلاحات التي وجدتها جوهرية ملبية لطموحات مرحلية يمكن البناء عليها لتصبح مستقرة ودائمة خصوصا وأن المشروع لم يضع حدودا لعملية التطوير والإصلاح، وها هي التجربة تثبت نجاحا بعد نجاح، وإذا كانت جمعية «الوفاق وشقيقاتها ومشتقاتها لا ترى ذلك فإنما هي مصابة بالعمى الطائفي المذهبي الذي لن تشفى منه إلا بالسعي الدائم للوصول إلى السلطة وإرغام الشعب، كل الشعب، على قبول نظام ولاية الفقيه الإيراني، أو يمراجعة أطروحاتها السياسية مراجعة جذرية تلتزم فيها بمقولات مدنية الدولة والمجتمع التزاما يُبعد شبح التيوقراطية الطهرانية عن البحرين وشعبها ونظامها السياسي الذي بدأ عود الديمقراطية فيه يشتدّ ويُزهر ويثمر فكرا حرا ومواطنة حقيقية ولاؤها الأعظم للوطن دون سواه. وإذا كانت الفرضية الثانية أضغاث أحلام في ظل المشهد اليومي البائس الذي فرضته علينا الوفاق، فإني لا أستبعد تحققها شريطة الاحتكام إلى العقل والتجرد من أدران مطامع إقامة المجتمع البحريني على مثال واحد بل وفق قالب واحد أوحد لا عقل فيه إلا عقل الولي الفقيه. ثمة سؤال جوهري يمكن أن أطرحه في ضوء المثال الذي اخترته عن علاقة الصداقة وعرضته عليكم شهادة على ما آل إليه نسيج علاقاتنا المتآلفة العريقة في مجتمعنا البحريني، وهذا السؤال هو «هل تتطلب الصداقة أن يكون الصديقان متماثلين في الأفكار، أم أن هناك قواسم مشتركة عامة يمكن أن تحكم إطار هذه العلاقة أو تلك؟» يبدو لي أن الإجابة عن هذا السؤال وفي ضوء مساءلة هذا الصديق لي عن أفكاري وتوجهاتي تتطلب فهما عميقا للديمقراطية حفاظا على العلاقات الاجتماعية. إنها لحالة اجتماعية تعاقدية جديدة غير تلك التي أشرت إلى أنها عفوية سواء أتّصل الأمر بالعلاقات بين الأفراد بعضهم ببعض أم بعلاقات الأفراد مع الدولة، ولن تكون هذه الحالة مقبولة إلا في إطار من العيش المحكوم بقوانين المواطنة وحقوق الإنسان، وعلى هذا الطريق فلنعمل معا على استثمار كافة الفرص التي يتيحها مشروعنا الإصلاحي الذي افتتح به المملك عهده وهي كثيرة إذا ما أوصلنا إلى البرلمان من هم أهل لذلك؛ لأن ثراءنا في تنوعنا واختلافنا في إطار دولة المواطنة وحقوق الإنسان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها