النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

الإخوان والعسكر وأزمة مارس 1954

رابط مختصر
العدد 8404 الجمعة 13 إبريل 2012 الموافق 21 جمادى الأولى 1433

الإخوان والعسكر وأزمة مارس 1954 التاريخ لا يكرر نفسه.. لكنه مع ذلك يصلح عبرة لمن يعتبر لأن المياه -كما قال الفيلسوف اليوناني القديم سيشرون- لا تجري في النهر نفسه مرتين، فإن التاريخ لا يعيد نفسه، ولا يكرر حوادثه، وهي حقيقة لا تعترف بها معظم فضائيات وصحف هذه الأيام، التي تصر بمناسبة -وأحيانا بدون مناسبة- على القول بأن الأوضاع في مصر هذه الأيام، تبدو وكأنها تتجه بسرعة نحو تكرار أزمة مارس 1954. تلك نبوءة تقال أحياناً كلما تصاعد التوتر بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي يدير شؤون المرحلة الانتقالية منذ تخلي الرئيس السابق عن منصبه في 11 فبراير من العام الماضي، وبين بعض فصائل الجناح المدني من ثوار يناير الذين يصرون على مطالبة المجلس بالرحيل عن السلطة وتسليمها للمدنيين، حتى بعد أن حدد موعد هذا الرحيل، مشككة في أن عسكر 2011 يخططون للبقاء في السلطة، كما فعل عسكر 1952 أثناء أزمة مارس 1954، وتقال أحياناً بمناسبة التوتر في العلاقات بين هذا المجلس العسكري، وبين جماعة الإخوان المسلمين، التي حازت على الأغلبية في مجلسي الشعب والشورى وكان آخر ملامحه التلاسن -الذي جرى أخيراً- بين الطرفين عبر بيانات رسمية، على خلفية إصرار الجماعة على سحب الثقة من الحكومة القائمة، ومطالبتها بالحلول محلها، وإصرار العسكري على أنه -طبقاً للإعلان الدستوري القائم- صاحب السلطة في تشكيل الحكومة، وفي إقالتها، وأنه لا يجد مبررا لسحب الثقة منها أو استبدال غيرها بها.. ليندفع المحللون السياسيون والفلكيون الثوريون إلى الإعلان عن أن أزمة مارس 1954 في طريقها للتكرار بعد 58 سنة من حدوثها. والغريب أن أحداً من هؤلاء المحللين والفلكيين، لم يكلف خاطره ويعود إلى مصدر من مصادر التاريخ، لكي يبحث عن أوجه المشابهة بين الظروف التي مهدت لأزمة مارس 1954، والوقائع التي جرت خلالها، والنتائج التي انتهت إليها، وبين الظروف الحالية، اكتفاء بأنه في الحالتين هناك عسكر ومدنيون وإخوان، وتوترات في العلاقة بين الأطراف الثلاثة، وهي مشابهات شكلية يمكن أن تتكرر في كثير من الظواهر التاريخية، من دون أن يؤدي هذا إلى أن تسفر عن النتائج نفسها، أو أن تقود إلى تكرار الماضي، أو إلى جريان المياه في النهر نفسه مرتين.. مع أن عسكر 2011 ليسوا عسكر 1952، والمدنيون من ثوار العقد الثاني من الألفية الثالثة، يختلفون بالقطع عن أجدادهم من المدنيين معارضي العقد السادس من القرن العشرين، فضلاً عن أن مصر اليوم والعالم من حولها، ليست هي نفسها مصر الأمس والعالم من حولها. أما المهم فهو أن شرارة أزمة مارس 1954، بدأت بصراع على السلطة داخل مجلس قيادة ثورة 23 يوليو 1952، بين الزعيم الواجهة للثورة اللواء محمد نجيب، وأعضاء المجلس من الضباط الشبان انتهى بأن قدم استقالته في 25 فبراير 1954، من رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس، ليثور سلاح الفرسان على ذلك، ويعتصم ضباطه في «ميس» السلاح، ويتحرك ضباط المدفعية ليحاصروهم.. ويحلق الطيارون فوق مكان الاعتصام، حتى أوشكت البلاد أن تدخل في حرب أهلية بين أسلحة الجيش مما اضطر مجلس قيادة الثورة لإعادة «نجيب» إلى موقعه، وإعلان قرارات 5 مارس 1954، التي تقضي بانتخاب جمعية تأسيسية تكون مهمتها مناقشة مشروع الدستور وإقراره، والقيام بمهمة البرلمان إلى حين انعقاد البرلمان الجديد وفقا لأحكام الدستور، وإلغاء الرقابة على الصحف وإلغاء الأحكام العرفية قبل انتخاب الجمعية التأسيسية. ولم تصمد هذه القرارات سوى ثلاثة أسابيع، حدث خلالها خلاف جديد داخل مجلس قيادة الثورة، بين الذين تمسكوا بها لأنها تجمع بين الثورة والديمقراطية، وهم «محمد نجيب» و«خالد محيي الدين» وبين بقية أعضاء المجلس الذين طرحوا بديلاً يقضي بإنهاء الثورة وحل مجلس قيادتها وعدم تشكيل حزب منهم، وإعادة جميع الأحزاب القديمة، وتسليم السلطة للجمعية التأسيسية، وهي قرارات بدت في الظاهر أكثر ديمقراطية إلا أنها كانت في جوهرها عمل من أعمال الإثارة المبنية على التخلي فجأة عن السلطات والصلاحيات ليجد الجميع أنفسهم على حافة الهاوية وأمام اختيار شرير بين «الثورة» و«الديمقراطية» وبين تسليم السلطة للعسكر بلا قيد ولا شرط، أو انهاء الثورة وإعادة الوضع إلى ما كانت عليه قبلها بلا قيد ولا شرط، فكان طبيعياً أن يثور الفلاحون والعمال الذين استفادوا من إنجازات الثورة ضدها، وأن تخرج مظاهراتهم تهتف: تسقط الديمقراطية يسقط المثقفون. لينتهي الأمر بتأجيل قرارات 5 و25 مارس 1954 إلى ما بعد مرحلة الانتقال حيث لم تر النور منذ ذلك الحين. وكان الإخوان المسلمون، هم أول من استفادوا من أزمة مارس، إذ كانت قيادتهم العليا، ومعظم كوادرهم الوسطى، قيد الاعتقال منذ أن صدر في 14 يناير 1954 قرار بحل الجماعة بسبب مشكلات بينها وبين مجلس قيادة الثورة، وما كادت قرارات 25 مارس تصدر حتى أفرج عن المعتقلين، وكان المرشد العام للإخوان حسن الهضيبي هو أول الذين أفرج عنهم، وزاره جمال عبدالناصر في الليلة نفسها، وفي أعقاب ذلك اختفى الإخوان من ساحة الصراع حول الديمقراطية، بين مجلس قيادة الثورة وبين القوى المدنية والديمقراطية، إذ لم يكونوا متحمسين لإطلاق حرية تشكيل الأحزاب، وكانوا يتمنون أن يقضي مجلس قيادة الثورة عليها، فتخلو لهم الساحة وحدهم، فالتزموا السكون التام، مع أن مشاركتهم بجماهيرهم كان يمكن أن تعتبر عامل ترجيح لأحد الجانيين. وبسبب ذلك هزم التيار الديمقراطي داخل مجلس قيادة الثورة، وحسم الصراع لصالح الذين رفعوا شعار الخيار بين الثورة أو الديمقراطية، وخلت الساحة للإخوان، إلى أن تجدد التوتر بينهم وبين العسكر، ووصل إلى ذروته في 8 نوفمبر من العام نفسه، حين حاول أحد أعضاء الجهاز السري للجماعة اغتيال جمال عبدالناصر في ميدان المنشية، بالإسكندرية لتبدأ عملية تصفيتهم! وعلى الرغم من مشابهات عديدة في المواقف التي ينبغي لأصحابها أن يأخذوا منها العبرة.. إلاّ أن ذلك لا يعني أن المياه سوف تجري في النهر نفسه مرتين.. أو أن التاريخ سيعيد نفسه. ذلك أنه -التاريخ- لا يتكرر ولكنه فقط يترك عبرة لمن يريد أن يعتبر!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها