النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

حديــــــــث الصدفــــــــــــة

رابط مختصر
العدد 8397 الجمعة 6 إبريل 2012 الموافق 14 جمادى الأولى 1433

الصدفة وحدها أوجدتني على مرمى قريب من سمع واضح جدا لحديث كان يدور بين مجموعة من الشباب لا أعتقد أني على خطأ إن خمنت بأنهم ينتمون إلى جماعة تيار سياسي إسلامي سني، وقد كان تخميني مبنيا على أساس المظهر الخارجي ومستندا أيضا إلى بعض الكلمات التي عادة ما تتخلل الحوار باعتبارها «لزمات» يمكن من خلالها ترجيح الانتماء الإيديولوجي لهذا أو ذاك. وقد أتاحت لي هذه الصدفة الاستماع والاستمتاع بجزء يسير من الحوار الذي كان يدور بينهم حول حقوق الإنسان وأهمية تدريسه في مدارس وزارة التربية والتعليم. ويمكنني في هذه السانحة أن أوجز الجدل الذي كان عنوانا لحوارهم المتمدن الراقي في أسئلة ثلاثة هي: «ما مدى أهمية تدريس حقوق الإنسان؟» و»هل أتاحت حقوق الإنسان لبعض الجماعات المتطرفة التطاول على أمن المواطنين والعبث بالأمن الوطني تحت دعاوى ممارسة الحرية والتعبير عن الرأي؟» و»كيف يمكن لوزارة التربية والتعليم أن تطرح حقوق الإنسان والمواطنة في صيغة تستجيب لحاجة الوطن وتدفع باتجاه التنمية المستدامة وتحقيق ممارسة فعلية لهذه الحقوق من قبل المعلم والمتعلم على حد سواء؟» أسئلة كما يلاحظ الجميع كانت على قلة عددها مهمة وحيوية شدتني، بحكم موقعها من الراهن الاجتماعي والسياسي، وبحكم اهتماماتي الشخصية والمهنية التي جعلتني من بين المشرفين على هذا القطاع التربوي المهم في المنظومة التربوية الوطنية البحرينية، إلى سماع الإجابة عليها من المتحاورين أنفسهم. وتفسيرا لاهتمامي الشخصي بموضوع الحوار الذي رصدته، أقول إنني وزملائي في العمل قد قطعنا شوطا لا بأس به في ما نعتقد أنه تطوير لتدريس المواطنة وحقوق الإنسان بوصفهما ممارسات وسلوكيات في مختلف المراحل الدراسية أكثر من أنهما مادتان تعليميتان تخضعان لعمليات تقويمية روتينية جامدة. وقبل أن أتحدث عنهما كمادتين دراسيتين ترتكزان على قيم ومبادئ ينبغي أن تظهر بجلاء في ممارسات الناشئة وسلوكهم أود التذكير فحسب بأن وزارة التربية والتعليم قد حملت على عاتقها مهمة تعميم المواطنة وحقوق الإنسان ثقافة مدنية حضارية من خلال ممارستها واتقان مهاراتها على كافة المستويات الأكاديمية والإدارية، دعوني أكشف عن جزئية في الحوار الذي استمعت إليه في شغف المهتم بالحوار وفضول الراغب في تبين اتجاهات التفكير لدى فئة من شباب البحرين أرادت أن تدلي بدلائها في الشأن العام تحليلا وتقويما واستقراء وتقويما تشهد به راهنية الأسئلة الثلاثة التي كانت قطب الرحى فيما دار من حوار قادتني إليه الصدفة ورغبتي في تبين الصلات بين ما نبنيه في مدارسنا وما يعتمل في واقعنا، وحفزتني إلى متابعة مجرياته ورؤاه بعض من فراسة الأجداد التي جعلتني أرى في المتحاورين تجسيدهم لخط إيديولوجي له موقعه من الخارطة السياسية لبحرين التنوع والمواطنة والحق في الاختلاف رغم وحدة الانتماء. ملخص الكلام الذي حضرته شاهدا بمحض الصدفة كان مداره هذه الشخصية التي «وهقت» البحرين -هكذا وردت في الحوار مع ذكر الاسم- وورطتها في معاهدات دولية بشأن حقوق الإنسان وربطتها بمعاهدات ما كان لها أن ترتبط بها، إذ بدت معها حركة أجهزة الدولة مشلولة في التعامل مع الخروقات الأمنية التي صارت من كثرتها باعث قلق يبلغ حد الخوف أحيانا نظرا لما يترافق معها من عنف مبرمج يرتكبه البعض تحت غطاء نسجته بعض مقولات حقوق الإنسان وسوغته بذريعة ممارسة حرية التعبير. وأظن أننا نختلف كثيرا ونتفق كذلك حول حقيقة دور تلك الشخصية التي «وهقت» البحرين وورطتها وصدقية الدور الذي أدته فيما يتعلق بحقوق الإنسان في المرحلة السابقة، وهل أن الحكومة على دراية بكل ما كانت تعقده هذه الشخصية أو تتفاوض في شأنه؟ وجهة نظري في هذه المسألة المثيرة للجدل تجعلني أعتقد أن هذا الموضوع لا يحمل الآن أهمية كبرى تستحق منا إعادة الماضي للطعن فيه. المهم، من وجهة نظري، هو أننا لا ينبغي أن نختلف أبدا حول أهمية وجود البحرين على الساحة الحقوقية الدولية وبهذه القامة العملاقة بعد كل الأحداث الأليمة التي أفرزها الدوار اللعين. وقد شاهدنا كيف أن الرأي العام العالمي تغير بدرجة كبيرة بعد الذي أبداه مليكنا المفدى في ثقة تامة أمام العالم من التزام مطلق بتنفيذ كل التوصيات التي خرجت بها لجنة تقصي الحقائق؛ ليُشهد الجميع بما للبحرين من رصيد حقوقي مواطني لا صوت فيه يعلو فوق صوت القانون وفوق المواثيق الدولية التي انخرطت فيها البحرين في طواعية المؤمن بأن حقوق الإنسان والمواطنة شرطان رئيسيان لتحقق التنمية المستدامة والعادلة وضمان أمن الوطن وأمان المواطن ورفاهه. وإذا كان للمرء أن يستشهد بذاكرة الأحداث ليجعلها حجة تؤيد المعلن من مكانة حقوق الإنسان والمواطنة من الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتشريعي البحريني فلا شيء أبلغ من المؤسسة التربوية التي تعد الضامن الأكبر لاستمرار القيم العليا التي أجمعت عليها المجموعة الوطنية، ففيها -أي المؤسسة التربوية- اختارت وزارة التربية والتعليم تنفيذ سياسة تربوية ليس تدريس حقوق الإنسان والمواطنة فيها إلا حجر الزاوية من مشروع مجتمعي طموح محكوم بمبادئ المواطنة والمدنية وحقوق الإنسان. وإيجازا مني في الإجابة عن الأسئلة الثلاثة التي لخصت بها حوار الشباب، أقول إن وزارة التربية والتعليم قد أولت التربية على حقوق الإنسان والمواطنة أهمية خاصة وأعدت كتبا دراسية تتناول هذا الموضوع في المراحل الدراسية الثلاث قبل أن ترتقي مسألة حقوق الإنسان والتربية على المواطنة إلى مصاف المسائل الملحة والضاغطة دوليا وإقليميا ومحليا، إذ ان العمل في ذلك كله جاء تلبية لتطلعات ملكية سامية للارتقاء بالعملية التربوية بما يتماشى مع النهضة الشاملة التي ينشدها المشروع الإصلاحي لجلالته، هذا من حيث المبدأ. أما من حيث التفصيل المستند إلى الوقائع فإن وزارة التربية والتعليم قد حرصت قبل الأحداث بزمن طويل نسبيا على تفعيل تصور عملي لتنفيذ مشروع الخطة الاستراتيجية للتربية على حقوق الإنسان كي تكون واحدة من المرجعيات التربوية الأساسية في كافة قطاعات الوزارة، وهذا ما يعني أن رؤية وزارة التربية لم تكن البتة محكومة بتصور انفعالي يقيس الإجراءات التربوية بأحداث بعينها بل إنها في عملها مرتبطة بتصورات إستراتيجية كبرى همها الأكبر صورة بحرين الغد وملامح مواطن الغد. وإذا ما أثار البعض السؤال الأمني الخطير ليتهم وزارة التربية والتعليم بالتقصير في غرس قيم المواطنة وحقوق الإنسان في سلوك الناشئة مستشهدا في ذلك بعنتريات البعض من المغرر بهم في شوارعنا وقرانا، فإننا نقول بأن تشكيل القيم والمحافظة عليها وتفعيلها كسلوك يومي ليس من مهمات الوزارة وحدها، فهناك الأسرة والمجتمع بكافة مؤسساته والإعلام بكافة وسائله، وهي أطراف عليها أن تتعاون مع وزارة التربية والتعليم في هذا الإطار؛ إذ العمل عمل مجتمعي شامل باختلاف مقادير التأثير، ولكل مقدار أهميته في بلورة شخصية الطالب مواطن المستقبل، فهل يعي كل مقدار دوره.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها