النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

عن قانون المس بالذات الملكية

رابط مختصر
العدد 8392 الأحد 1 إبريل 2012 الموافق 9 جمادى الأولى 1433

في معظم الملكيات المعاصرة لا تخلو دساتيرها من مواد تجرم التعرض للذات الملكية بالقول او الفعل، بالنشر أو الكلام المرسل، مباشرة أو إيحاء. وتتضمن تلك المواد عادة العقوبات المناسبة والرادعة. وبطبيعة الحال تختلف النصوص والعقوبات والتسميات من بلد إلى آخر، لكنها جميعها تنطلق من مبدأ واحد هو أن الملك يرمز إلى الأمة ويحمي دستورها، وبالتالي فإن احترامه وتوقيره هو احترام وتوقير للوطن والدستور والأمة، وأن التعرض له يضعف هيبة الدولة والقانون. وإذا ما بحثنا عن تاريخ نشؤ الفكرة وتطورها لوجدنا أنها تعود إلى زمن الإمبراطورية الرومانية التي سنت تشريعات تحمي أباطرتها من الإساءات والانتقادات والشتائم اللاذعة. وبمرور الزمن وظهور الملكيات الإقطاعية في أوروبا، تمسكت الأخيرة بالفكرة، بل وأضافت إليها تشريعات تعاقب أيضا من يسيء استخدام العملات التي تحمل صورة الملك، سواء أكان متعمدا أو غير متعمد. وبانتهاء عصر الملكيات المطلقة لصالح الملكيات الدستورية، ظهرت تشريعات جديدة أقل حدة لجهة معاقبة من يمس أو يتعرض للذات الملكية بالإساءة. أما الأنظمة الجمهورية التي خلفت الملكيات القديمة، أو نشأت بفعل الإنقلابات وحركات التحرر والانفصال فقد راحت هي الأخرى تسن تشريعات مماثلة للحد من الإساءة إلى رؤسائها ورموزها الكبار، سواء كانوا من ذوي المناصب الشرفية أو خلافها، بل وضعت أيضا تشريعات تعاقب كل من يسيء أو يتعرض ببذيء الكلام إلى زعماء الدول الصديقة. ففي ألمانيا الاتحادية وسويسرا وبولندا مثلا لا تصنف الإساءة إلى زعماء البلدان الأخرى علنا، في باب حرية التعبير، وإنما تـُعتبر عملا غير قانوني يستوجب المحاسبة. ولعل أقرب مثال هو الحكم الذي أصدرته محكمة في وارسو بغرامة مالية كبيرة ضد ناشر صحيفة يومية من ذوي الاتجاه الماركسي لإهانته بابا الفاتيكان في يناير2005، والحكم الذي أصدرته المحكمة ذاتها في العام نفسه بالسجن والغرامة ضد ناشط حقوقي لشتمه الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين، ثم الحكم الذي أصدرته السلطات البولندية في 2006 باعتقال وسجن مواطن سخر من ملابس رئيس البلاد (وقتذاك) «ليخ فاليسا». وتعتبر مملكة الدانمارك من الممالك الدستورية الأوروبية التي لا يـُعرف عنها أنها طبقت حتى الآن موادها الدستورية ذات الصلة بمعاقبة من يتجرأون على المس بالذت الملكية أو إزدراء الأسرة المالكة. من تلك المواد المادة 267 التي تعاقب بالسجن مدة لا تقل عن أربعة أشهر لمن يتعرض للملك. وهناك المادة 115 التي تضاعف هذه العقوبة حينما تتم الإساءة إلى الملكة أو مجلس الوصاية أو ولي العهد. وفي أسبانيا يعاقب صاحب الجريمة طبقا للدستور بالسجن لمدة عامين. وفي مملكة هولندا، توجد قوانين مشابهة، وإن كانت العقوبات المقررة فيها لا تخرج عن نطاق الغرامات المالية. فمثلا عوقب أحد المواطنين في 2007 بغرامة بلغت أربعمائة يورو لوصفه الملكة بياتريكس بـ «العاهرة». وفي اليونان التي استبدلت نظامها الملكي بالنظام الجمهوري في 1973، تـُعاقب المادة 14 من الدستور بالسجن أو الغرامة أو كليهما كل من يتطاول على رئيس الجمهورية أو الكنيسة أو أي دين من الأديان المعترف بها في البلاد. وإذا ما أتينا للحديث عن تطبيقات الفكرة في البلاد العربية، نجد أنه في الحالة المغربية يعاقب بالسجن لمدة عام كل من يتعرض للملك بالإساءة في مكان خاص، ومدة ثلاثة أعوام إذا كانت إساءته في مكان عام، ولمدة خمسة أعوام إذا وقعت الإساءة في المكانين معا. وتشمل الإساءات نشر صور كرتونية ساخرة، أوإطلاق إشاعات مغرضة، أو تبديل وتغيير التراتبية المعروفة في شعار «الله، الوطن، الملك». اما في الحالة الأردنية، فإن القوانين المعمول بها تعاقب بالسجن لمدة أقصاها ثلاث سنوات كل من يسيء إلى الذات الملكية أو يحرض ضد الحكومة او يعمل على نشر الطائفية وإزدراء الأديان أو السخرية من رموزها. وكانت في دساتير الانظمة الملكية الحاكمة سابقا في مصر والعراق وليبيا مواد مشابهة تقريبا. ويعتقد الكثيرون خطأ أن اليابان، وهي إحدى الملكيات العريقة في العالم، قد ألغت بعد توقيعها على معاهدة بوتسدام في 1910 قانون التعرض لذات الإمبراطور الذي كان مطبقا بموجب دستور ميجي لسنة 1889. لكن الحقيقة هي أن ذات الإمبراطور لا تزال مقدسة، ومن يتجرأ على المس بها يعاقب بعد أن تطالب الحكومة بذلك عبر رئيسها. وفي الهند، كبرى ديمقراطيات العالم، ينص دستورها على أن كل من نوى أو سعى إلى تهديد أو إهانة رئيس الجمهورية بأية صورة من الصور يعاقب بالسجن لمدة قد تمتد إلى سبع سنوات، ويمكن أن تـُفرض عليه الغرامة ايضا. على أن مملكة سيام (تايلاند) هي الأشد قسوة في العالم لجهة عقوبة المس بالذات الملكية. صحيح أنه حدثت تطورات كثيرة منذ إنتقال البلاد من الملكية المطلقة إلى الملكية الدستورية في 1932 ، إلا أن كل الدساتير الـ17 التي عرفتها البلاد ما بين 1932 و 2007 وردت فيها مواد تؤكد على قدسية مكانة الملك، ووجوب إحترامه وعدم مس ذاته بأية صورة من الصور، ناهيك عن مواد أخرى تنص على أن «كل من يسيء أو يشهـّـر أو يهدد الملك أو الملكة أو ولي العهد أو مجلس الوصاية على العرش يعاقب بالسجن لمدة أدناها ثلاث سنوات، وأقصاها 15 سنة. وعلى الرغم من وجود هذه المواد المتشددة، فإنه لم يعرف عن العاهل التايلاندي الحالي «بهوميبون أدونياديت» أو أي من أفراد أسرته أنهم رفعوا قضية في المحاكم ضد طرف مس ذواتهم أو أساء إليهم، بسبب عدم تمتع الملك أو الأمراء أو الأميرات بحق مقاضاة الآخرين مباشرة، وإنما عبر الحكومة أو شخصيات غير ملكية. وما يجدر بنا الإشارة إليه في هذا المقام هو أن الملك كثيرا ما تدخل للعفو عن أشخاص أساؤوا إليه من أولئك الذين تم تجريمهم على يد السلطات القضائية والحكومات العسكرية المتعاقبة كحال سائح سويسري صدر حكم بسجنه لمدة 3 سنوات لتمزيقه صورة الملك قبل عدة أعوام. إضافة إلى العفو، سُجل عن الملك مرارا قوله أنه ليس فوق النقد، وأن الملك مثله قد يخطيء، وبالتالي لا بأس من توجيه النقد إليه دون خوف. بقي ان نقول أننا في الخليج لم نكن يوما ما بحاجة إلى مثل هذه التشريعات وما تتضمنه من عقوبات، لسبب بسيط هو أن الأعراف السائدة والقيم المجتمعية كانت كفيلة دوما بفرض الإحترام ما بين الحاكم والمحكوم. غير أن ما نشهده اليوم من تطاولات وإساءات وتصرفات طائشة تحت يافطة حرية التعبير وحقوق الإنسان و»الربيع العربي»، مثلما يحدث في البحرين وحدث في الامارات، قلب كل الموازين والأعراف، وشجع بعض الحاقدين والموتورين والرعاع من عملاء الأجنبي – مثل البذيء صاحب دكان حقوق الإنسان المنحل - على التطاول ببذيء الكلام وقبيح الأفعال والشعارات، الأمر الذي بات معه لا مفر من وضع تشريعات واضحة لمساءلة كل من يتجاوز حدوده.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها