النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

في وداع الرجل الذي فصلني لمدة عشر سنوات هرباً من و

رابط مختصر
العدد 8390 الجمعة 30 مارس 2012 الموافق 7 جمادى الأولى 1433

في أول يناير 1975 أضرب عمال عدد من مصانع منطقة حلوان الصناعية القريبة من القاهرة، بسبب مطالب لهم تتعلق بالأجور والعلاوات لدي حكومة «د.عبدالعزيز حجازي» التي كانت تتولي الحكم آنذاك وقاموا بمظاهرة وصلت إلى قلب العاصمة، حيث حطموا الواجهات الزجاجية لبعض المتاجر الكبري، وهتفوا: «حكم النازي ولا حكم حجازي».. وفيما بعد قال «د.حجازي» أن الذي دبر هذه المظاهرات هو «ممدوح سالم» وزير الداخلية في حكومته لكي يحل محله في رئاسة الوزراء، وهو ما حدث بالفعل بعد شهور وعلي سبيل التعمية قامت مباحث أمن الدولة - فجر اليوم التالي - بحملة اعتقالات واسعة ، شملت العناصر النشطة من الطلاب وعددا من اليساريين الذين كانوا يقودون المعارضة ضد حكم الرئيس السادات، كنت أحدهم واتهمتهم في البداية بتدبير المظاهرات، ثم قالت فيما بعد أنه لا صلة لهم بها، وأنها قبضت عليهم من باب الاحتياط وحتي لا يستغلوا المظاهرات لصالحهم. ولم يكن الصراع علي السلطة في جريدة «الجمهورية» ـ التي كنت أعمل بها آنذاك ـ أقل حدة من الصراع داخل الحكومة، إذ كانت قد تشكلت جبهة من محرريها ينتمون في معظمهم إلي اليمين تناصب رئيس مجلس إدارتها وتحريرها «مصطفي بهجت بدوي» العداء وتتهمه بأنه ناصري وأنه يجمع حوله الناصريين واليساريين وتطالب بتطهيرها من هذه الطغمة من فلول «مراكز القوي» ـ وهو الوصف الذي كان يطلق علي شركاء السادات في السلطة من ورثة عبدالناصر الذين كان قد أقصاهم عنها في 15 مايو 1971 - لكي يحلوا محلهم باعتبارهم من «المايوويين» ممن يساندون ثورة التصحيح التي يقودها الرئيس المؤمن «محمد أنور السادات» بطل الحرب والسلام. وكان اليمين المصري يسعي آنذاك للسيطرة علي الصحف القومية، بعد عودة الأخوين «علي أمين ومصطفي أمين» ليرأس الأول تحرير «الأهرام» ويدخل في صراعات عنيفة مع محرريها الذين كانوا يدينون بالولاء «محمد حسنين هيكل» ويرأس الثاني مجلس إدارة «أخبار اليوم» «ويتخذها منصة لشن الحملة علي العهد الناصري، ولم تبق إلا «الجمهورية» وهي جريدة الثورة التي أسسها «جمال عبدالناصر»، وكانت تزدحم بفسيفساء من المدارس الفكرية، تجمع بين أقصي اليمين وأقصي اليسار، وبين كتاب من الوزن الثقيل، بينهم عدد ملحوظ من اليساريين ، وبين شاويشية وصولات وضباط سابقين، انضموا إلي أسرة تحريرها بتوصية من الإدارات المتقلبة التي تعاقب عليها خلال العهد الثوري، كان بينهم عدد ملحوظ من عتاة اليمينيين. وكنت لا أزال سجينا حين صدرت حركة تنقلات لرؤساء تحرير الصحف القومية جمعت بين الأخوين «علي ومصطفي أمين» في «دار أخبار اليوم» التي أسساها لتصبح منبرا لليمين، وجاءت بـ«أحمد بهاء الدين» لرئاسة تحرير «الأهرام» لتكون منبرا للوسط، وأنهت الصراع علي السلطة بين «المايوويين» و«فلول مراكز القوي» في «الجمهورية» بنقل «مصطفي بهجت بدوي» كاتبا بـ«الأهرام» وتشتيت عدد من الكتاب اليساريين، وعدد من زعماء «المايوويين» إلي دور صحفية أخري، وتعيين «عبدالمنعم الصاوي» رئيسا لمجلس الإدارة، و«محسن محمد» رئيسا للتحرير و«إبراهيم الورداني» مديرا للتحرير. وكانت تلك هي المناسبة التي عرفت فيها «محسن محمد» - الذي غادر عالمنا هذا الأسبوع- إذ لم أكد أغادر السجن حتي دعاني للقائه.. ومع أنني كنت مشحونا بالغضب لأنه كان قد ألغي القسم الذي كنت أعمل به، والعمود الذي كنت أكتبه، إلا أنه استقبلني ببشاشة وعاملني بمودة، وبرحابه صدر، وألمح إلي أننا نحن اليساريين، مازلنا عاجزين عن رؤية حقيقة أن الدنيا قد تغيرت وشرح لي خطته في تطوير «الجمهورية» التي كان توزيعها قد تدهور، لكي تستطيع أن تجذب إليها قراء يختلفون عن قراء «الأهرام» و«الأخبار» التي لا قبل لها بمنافستهما بتحويلها إلي صحيفة خدمات، بتخفيف الطابع السياسي لها، إلاّ فيما يتعلق بالنواحي الإخبارية! ودعاني إلي معاونته في الحدود التي لا تجلب له وجع الدماغ. ومع أنني لم أتحمس للخطة، إلاّ أن «محسن محمد» نجح فعلاً في أن يرفع توزيع «الجمهورية» وفي أن يجد لها مكانا ملحوظاً في سوق القراءة، وأثبتت انه صحفي موهوب، وصانع صحف مقتدر، ومع أن التعاون بيننا لم يستمر إلاّ أن علاقتي به لم تنقطع، وكان أحياناً يبثني همومه، مما يلاقيه من التعامل مع الرئيس «السادات» الذي كان يضغط عليه لكي يمنع «كامل زهيري» من الكتابة، فكان يعده بأن يتخلص من قلمه أول فرصة، دون أن يكون في نيته أن ينفذ شيئاً من ذلك إذ يعتقد ـ كما يقول ـ إن كامل زهيري كاتب مقتدرا لا تستطيع «الجمهورية» أن تستغني عنه، ومع أنه لا يطيقه كما لا يطيقني، ومما يعانيه من المحررين الذين يكتبون تقارير ضده لأجهزة الأمن، واثقاً كما كان يقول- من أنني لن أبلغ عنه.. وكنت ألاحظ أنه فيما يكتبه بقلمه، يتعمد أن يبتعد عن الكتابة المباشرة في السياسة، إلا إذا لم يكن هناك مفر من ذلك.. وفي أحيان ليست قليلة، كان يكتب آراء معارضة، مكتفياً بأن يمارس المهنة التي يحبها بعيداً بقدر الإمكان.. عن وجع الدماغ. وكان يجمعنا شغفنا المشترك بالكتابة في التاريخ العربي الذي كتب «محسن محمد» عدداً من أهم الكتب عن بعض مراحله استعان فيها بوثائق التاريخ المصري في الأرشيف البريطاني وجمع فيها بين التعمق في البحث واللغة الصحفية الجذابة، فضلا عن منهج وطني في رؤية الظواهر السياسية، لعله يعود إلي أنه كان عضوا في الحزب الوطني القديم الذي أسسه مصطفي كامل، في مطلع شبابه قبل الثورة، وعلي نحو ما بدا لي كان مصاب بلطشة يسارية، يحاول أن يخفيها تجنبا لوجع الدماغ، الذي جاهد لكي يتوقاه، لكنه مع ذلك لاحقه علي امتداد حياته الصحفية. ومع أنه فصلني من عملي في «الجمهورية» لمدة عشر سنوات، وقاوم عودتي إليه حين تهيأت الظروف، فإن علاقتي به لم تنقطع، إذ كنت أعتقد أنه كان مضطراً لذلك، علي الرغم من أنه أكد لي أنه فصلني بإرادته الحرة ودون إملاء من أحد، لأنه لا يحب وجع الدماغ! وفي الأسبوع الماضي استراح «محسن محمد» من وجع الدماغ.. وغادر الدنيا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها