النسخة الورقية
العدد 11087 السبت 17 أغسطس 2019 الموافق 16 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:46AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:13PM
  • العشاء
    7:43PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

لا ينشأ مـن العتمـة إلا الظــــلام

رابط مختصر
العدد 8390 الجمعة 30 مارس 2012 الموافق 7 جمادى الأولى 1433

لا أظن أننا نخطئ الاستنتاج عند قراءتنا السلوك السياسي لجمعية «الوفاق» وشقيقاتها ومشتقاتها المتخندقات معها في أطر النهج العنفي، والباحثات برغبة شديدة عن أسباب وذرائع تدخلها في صراع دائم مع النظام السياسي ومع كافة مكونات المجتمع، حتى ليخيل إليك أنها، وبناء على انفتاح شهيتها لاستقبال خبر سقوط أي ضحية، على استعداد لإفناء الشعب عن بكرة أبيه لكي تظفر باهتمام دولي يساعدها على تسلم مقاليد حكم البلاد ورهن مقدراتها بولاية الفقيه تنفيذا لأوامر عليا صادرة من القيادات المذهبية في قم. وهذا، في اعتقادي، ليس استنتاجا تحليليا مبنيا على فرضيات وهمية أو قولا مرسلا يريد النيل من هذه الجمعيات من منطلق عدائي، بل هي حقائق مسندة بوثائق لاتزال ساخنة مستمدة من المعاني المباشرة التي حملها خطاب شعارات الدوار الواضحة الفاضحة لكل الحراك الذي لا أحد يستطيع أن يخفي هدفه الأساسي الماثل في إسقاط النظام وإشهار دولة ولاية الفقيه مهما توارى هذا الهدف خلف شعارات رنانة طنانة مثل: «الدولة المدنية» و«حقوق الإنسان» و«الديمقراطية» و«المواطنة». ولا أحسبني أبالغ في وصف واقع الحال المعيش، فالمتابع للشأن البحريني يمكنه تلمس ما يمور في سفح المجتمع وما هو ظاهر على سطحه من مشاكل مفتعلة مرة باسم «المظلومية» وأخرى باسم «الديمقراطية» وثالثة باسم «حقوق الإنسان» وهكذا دواليك حتى بلوغ المقصد الحقيقي، أي ربط المجتمع البحريني المتسامح المتحاب بنظام ولاية الفقيه على مرأى ومسمع من كل المنظمات والمؤسسات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان. وهذا بحسب نواميس التطور الموضوعي والذاتي لمجتمع بلغ من المدنية ما بلغ مثل المجتمع البحريني مستحيل الحدوث مهما استجمعت هذه الجمعيات من تأييد زائف لحراكها الغارق في نرجسية مذهبية لا يستطيع أحد أن يجادل بأن هذه الجمعيات هي المسؤولة أولا وأخيرا عنه. ولكي يتجذر وجود هذه الجمعيات لدى الطائفة التي تعمل هي من أجلها وتعلن في صفاقة مذهبية بأنها ممثلة لها، يمكننا أن نرصد هذه الجمعيات بقيادة «الوفاق» وقد بنت تصورها وشيدت معالم أهدافها ونحتت معارج سيرها إلى الجماهير من خلال أكاذيب طائفية مثل «السكان الأصليين»، و«المظلومية التاريخية»، و«الأغلبية السكانية»، وعلى ما يرى القارئ الكريم فإن هذه الأكاذيب التي توارثوها أوهام وأساطير لا وجود لها إلا في خيال مصاب بداء الطائفية وفيروس تقسيم المجتمعات -عافانا وعافاكم الله- وهذه الأوهام قد صارت في الواقع سلعة يستثمرها التيار الإسلامي المذهبي في سوقه الدعوى لما تلقاه الخرافات والأساطير من هوى لدى البسطاء لأنها تلامس عواطفهم وتستفز فيهم تصورا مشوها لمعاني النصرة وقيم الذب عن الحمى والدين. ثم أيقدر أي منا على أن يفرق بين المسيرات الاحتجاجية السياسية ومواكب العزاء الحسينية؟ في اعتقادي أن الفروق بين الفلكلور العقيدي والفلكلور السياسي المتولد من رحم الدوار قد انمحى، بل إن قيادات الجمعيات السياسية الطائفية قد تعمدت الخلط بين الفلكلورين لترتحل موسيقى الهتافات الحسينية ومواكب العزاء وملابس المعزين وطرائق مشيهم إلى الشارع السياسي ارتحالا أظنه مقصودا لتحويل أوهام النخب الطائفية إلى صوت جماهيري لم تجد الجماعة سبيلا لاستجدائه أفضل من العزف على مقام المذهب ووتر العقيدة. إن هذا الأمر عمل مقصود لأنه يسهم في خلط السياسي بالمذهبي لضمان بقاء حالة التوتر والشد لدى هذه الطائفة الكريمة ولإيهامها بأن ما يقوم به من يمثلهم هو الصواب عينه. ولتحسين عملية تسويق الذات في المحافل الدولية وكسب ود منظماتها، ولكي يحظوا بقبولها فإن هذه الجمعيات الطائفية قد حلت أكاذيبها السابقة وزينتها بمفردات «الديمقراطية» و»حقوق الإنسان» و»الدولة المدنية» و»المواطنة» وغيرها مما يساعد هذه المنظمات والمؤسسات الغربية على مد أعناقها باتجاهها باعتبارها قوى «تحررية» تنشد العدالة والمساواة في عمق الدولة المدنية. والحال أن هذه الدولة المدنية ماثلة في الواقع البحريني، ولكن عين أنصار الولي الفقيه لا تراها طبعا فضلا عن أن هناك للأسف أطرافا دولية مخدوعة تعمل على بعثرة ما هو قائم حقيقة من مؤسسات هذه الدولة لفائدة وهم اسمه «الربيع العربي». وفي ظل وضوح المشهد السياسي والنوايا الخبيثة التي تتحرك فيها هذه الجمعيات فإن المرء ليتساءل كيف ترتفع درجة حرارة الحبر في أقلام بعض من الكتاب ممن يرون الأمور من خلال منظار آخر ضيق العدسات فيختصرون القول دفاعا عن هذه الجمعيات السياسية بأنها صادقة فيما تقول عفيفة فيما تنشد، لتذهب هذه الأقلام، التي تشكو الظلم الواقع على تلك الجمعيات من الحكومة ومن بعض الأطراف الاجتماعية وتتوسل التدخل من منظمات حقوق الإنسان الدولية، إلى تصوير هذه الجمعيات ومشايعيها على أنهم صفوة الصفوة وأنهم الممثلون الحقيقيون للشعب العاملون على إرجاع الحقوق المهدورة إلى «كل» الشعب البحريني. أما غيرهم ففئات اجتماعية مستسلمة لإرادة الحكومة ولا تسعى إلى التطوير وإحداث التغيير المرجو للمجتمع. ينبئنا الواقع المنعكس من الحالة المفتعلة لأحداث الدوار التي هتكت النسيج الاجتماعي وتسببت في تفاقم الشرخ الطائفي بأن تضخيم الحوادث الفردية وإعطاءها صفة التعمد بالإساءة إلى المذهب لا يمكن أن يكون إلا سعيا سافرا للتعدي على العلاقات البينية المستجدة بعد أحداث الدوار الكريهة، غير ان هذا لا يعني أن نقد رأي مخالف قد يرتقي بنا في الحالة المدنية إلى مرتبة التخوين المتبادل أو الاتهام بما يعلن أني في دحضي أطروحات الكتاب السالفي الذكر أتهمهم بميول طائفية حتى وإن كانت هذه الأقلام تسعى إلى تعقيد مثل هذه الحوادث وإبرازها على أنها أسباب وليست نتائج، فلكل قراءته للواقع، ولا تصمد قراءة من دون غيرها إلا لوجاهة منطلقاتها وتماسكها المنهجي وانسجامها مع سير الوقائع التي يقودنا النظر فيها إلى أن ما أريدَ له أن يكون ربيعا بحرينيا لم يكن في حقيقته إلا عاصفة مُفتعلة في إطار توازنات دولية جديدة أرادت «لبننة» الواقع البحريني فباءت بفشل ذريع أرى سببه في مناعة تاريخية وسياسية ومؤسساتية ركب الأجداد مصلها الأول وتعهدته حصافة جلالة الملك حمد حفظه الله ورعاه بالرعاية التي فتحت أبواب مدنية الدولة على مصراعيها أمام المجتمع البحريني الطامح أبدا إلى نور لا أظن جلابيب ولاية الفقيه وعمائمه ضامنة لبلوغه، إذ لا ينشأ من العتمة إلا الظلام. هذا هو جوهر حديث كل كاتب يدافع عن شعارات عامة وعناوين مستلة من بلدان «الربيع العربي» مثل حقوق الإنسان والعدالة والمساواة والكرامة، ولا أعرف لماذا تغيب عنهم أدوات اشتغال مثل هذه الشعارات والعناوين، فهل من ينشد العدالة مثلا يسمح لنفسه أن يوظف أشد أدوات عنفه ضد الدولة والمكونات الاجتماعية الأخرى؟ وهل من يدعي بأن كرامته مهدورة يعمل على إهدار كرامة غيره؟ أليس في التعرض إلى الناس في الشوارع وإعاقتهم من ممارسة حياتهم الاعتيادية إهدارا للكرامة؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها