النسخة الورقية
العدد 11026 الاثنين 17 يونيو 2019 الموافق 14 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

أبعاد

ذاكـــــــــــرة المكـــــــــــــــــــــــان

رابط مختصر
العدد 8383 الجمعة 23 مارس 2012 الموافق 30 ربيع الآخرة 1432

دائماً نتحدث ونكتب عن ذاكرة المكان ونتحدث ونكتب عن رائحة المكان.. صبري موسى له رواية جميلة باسم رائحة الأمكنة. وللأمكنة ذاكرة ورائحة وصورة.. قد يزول المكان وتبقى ذاكرته ورائحته وصورته القديمة الاولى. سؤالي هل هي ذاكرتنا أم ذاكرة الامكنة.. ام المكان يحرض الذاكرة وينعشها ولذلك يذهبون بمن فقد الذاكرة الى اماكنه القديمة لعلها تنعش ذاكرته المريضة وتعيدها الى شيء من طبيعتها وحيويتها.. في كل الاحوال الامكنة بناسها باهلها بشخوصها وحكاياتها ورواياتها.. وسيرة المكان هي سيرة اهله وناسه وشخوصه. مقدمة صغيرة هجست بها لحظة زرت المكان القديم الذي كان يقع فيه بيتنا الاول.. تغير المكان وتبدلت البيوت وقامت عمارات وتداخلت الوان وانفتحت طرق وشوارع وتغيرت عناوين ووجوه بحثت عنها فلم اجدها إلاّ في الذاكرة وهي تنداح من مكامن الروح الصغيرة التي ظننت انها اختفت الى الابد.. فإذا بالطفل بداخلي اراه يركض هناك قادماً من الساحل ومعه اطفال واطفال تذكرتهم فجأة وسألت اين ديارهم الآن وماذا جرى لهم والاطرف كانت مع الوجوه وجوه فتيات صغيرات بعمر الورد «هل ظل هناك ورد أيتها الوجوه القادمة نحوي ونحو المكان» أغمضت عيني حتى لا أرى وجهي في المرآة فاكتشف آثار السنين واحتفظت بكل الاطفال بداخلي يلعبون واكاد اسمع ضحكاتهم و(هواشهم)». ذهبت الى ما تبقى من دكان «سيف» ذلك الرجل الطيب رحمة الله عليه.. وقفتُ بحنين اتامل صورتنا في الدكان القديم «خضار وبرادة» بلغة اليوم وسيف يفتح «غرشة البيبسي» فيطيش زبدها «زبادها» كما نقول ومازال طعمها الاول في فمي حتى لوشربت آلاف اغراش البيبسي بعدها. فهل هي كما الحب الاول؟؟ لا اعتقد فالمذاق لم يغادر الفم فيما الحب الاول بهتت منه الألوان ولم تبق حتى الحروف التي كتبناها على طوفه قديمة في فريجنا ورسمنا القلب المجروح والسهم يخترقه ولم نعرف انه «كيوبيد» إلاّ بعد ان غادرنا المكان الاول وغادرنا الحب الاول واكتشفنا اكذوبة الشاعر العربي القديم «وما الحب إلاّ للحبيب الاول» فكم احببنا بعد الحب الاول «يروقه» المشاعر الطفولية والمراهقة وكم غادرنا الامكنة الى امكنة اخرى والحب فينا يتجدد وتلك هي ميزة انسانية ربانية كبيرة القدرة على الحب والمحبة. واذهب الى دكان عبداللطيف هجرس رحمه الله فلا اجد آثاره ولكنني استطيع استحضار كل صورة من صور تلك الايام والشهور هناك في ذلك الدكان «المقر» لفريقنا «الشباب» واراني مع الاطفال وقد خط «الشنب» فوق الوجوه النضرة وبدأنا نفهم لغة الكبار ونقلدها ونقلد حركات الممثلين ومشية الفتيات في عمرنا بالفنانات فهذه فاتن حمامة وتلك زبيدة ثروت وتلك شادية ولبنى عبدالعزيز فيما نحن نتقمص شخصيات الممثلين ونعجب بعمر الشريف ورشدي اباظة واحمد رمزي وكمال الشناوي واحمد مظهر. وحتى اللحظة لا ادري ما هو سِرّ اصرارنا على التصوير والتقاط صور شخصية لنا يوم العيد.. هل يعود ذلك الى فرحتنا و»وناستنا» بالاناقة والثياب الجديدة.. فكل واحدٍ منا يجمع رفاق عمره ويلتقط لهم صورة جماعية او فردية ولا ادري لماذا كانت هواية تبادل الصور من اكثر الهوايات انتشاراً بيننا ومعها العبارة الشهيرة التي نكتبها للصديق خلف الصورة «ان غاب جسمي فهذا رسمي» وهي عبارة متخمة بالرومانسية والحنين والشفافية اين منها الآن زمن متخم بالمصلحة حتى بين الاحبة فحكايات حبهم حكايات مصلحة وبعض حكايات حبنا حكايات تضحية.. لا نسأل من الأفضل فلكل زمن منطقه.. وتلك كانت ايام. وتبقى ذاكرتنا هي ذاكرة المكان ويبقى المكان القديم منعشاً لذاكرة غشاها النسيان حيناً او بعض حين.. وتظل الحكايات مخبوءة في الوعي واللاوعي منا نوقظها حين تلتفي برفاق الطفولة واصدقاء العمر الاول والوعي الاول فنتذكر ونبتسم ثم نضحك ثم نقهقه في زمن فقد الابتسام وفقد الضحك وفقد القدرة على القهقهة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها