النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بكائيـــــة فـــي وداع محجــــوب عمــــر

رابط مختصر
العدد 8383 الجمعة 23 مارس 2012 الموافق 30 ربيع الآخرة 1432

رحيل الرجل الذي أجرى عام 1954 مفاوضات لتأسيس جبهة وطنية بين الإخوان والشيوعيين لمقاومة ديكتاتورية مجلس قيادة الثورة عرفت «محجوب عمر» باسمه الحقيقي «رءوف نظمي» في منتصف ستينيات القرن الماضي ولم يكن قد مضى علي مغادرته المعتقل الذي أمضى به ما يقرب من عشر سنوات سوى شهور قليلة، وكان مشغولا بإتمام دراسته في كلية الطب التي انقطعت خلال السنوات التي أمضاها قيد السجن والاعتقال. وكانت البداية في يونيو 1954 عندما ظهر شخص يتسمى حركيا باسم «محجوب» علي شاشة المراقبات التي كان يقوم بها قسم مكافحة الشيوعية، للخلايا النائمة من «الحزب الشيوعي المصري» الذي كان قد تلقى ضربة قوية في فبراير من العام نفسه، شملت الجهاز الفني الذي كان يتولى طباعة وتوزيع منشوراته ومجلاته وكتيباته السرية، خمد نشاطه بعدها لمدة ثلاثة أشهر، استأنف في نهايتها إصدار وتوزيع مطبوعاته بغزارة لافتة للنظر، وبعد خمسة أشهر من متابعة حركة تداول المطبوعات، داهمت مجموعات من قوات الشرطة منازل من بينها منزل والده «ميخائيل أفندي عبدالملك» الموظف بالبريد، لتكتشف أن الاسم الحقيقي لـ«محجوب» هو «رءوف نظمي ميخائيل» وقال والده إنه لا يقيم بالمنزل، ولما كانت المتابعة قد كشفت عن أنه يتردد على غرفة بسطح أحد المنازل بحدائق القبة فقد داهمتها قوة من الشرطة لتجد كميات ضخمة من المنشورات والمجلات والكتيبات الصادرة عن الحزب، وماكينة طباعة وجدت عليها أصل منشور بعنوان «بيان إلى عمال المعمار» ولم تجد «رءوف» نفسه فتركت كمينا نجح في القبض عليه في الثامنة من صباح اليوم التالي ووجدت معه بطاقة باسم «محمد زغلول نصير» تحمل صورته. وفي شهادته أمام النيابة، قال البكباشي المقدم «حسن المصيلحي» مدير مكتب الشيوعية إن «رءوف نظمي» كان الصلة الأولى بين قادة الحزب وبين المستويات الأدنى، وأنه أخذ على عاتقه بعد الضربة التي وجهت إليه في فبراير 1954، أن يعيد ربط الاتصالات بين خلاياه بالقاهرة ، وفي العام نفسه وأثناء محاكمة الإخوان المسلمين ـ في أعقاب محاولة فريق منهم اغتيال عبدالناصر في ميدان المنشية ـ نشرت الصحف أن مباحثات كانت تجري بين الإخوان والشيوعيين لإقامة جبهة وطنية بينهما، تقاوم اتجاهات مجلس قيادة الثورة نحو إقامة ديكتاتورية عسكرية، وأن ممثل الإخوان في هذه المباحثات كان «سيد قطب» بينما كان ممثل الحزب الشيوعي المصري هو «رءوف نظمي» ولم أعثر على ما يؤكد هذه المعلومة، على الرغم من أن كثيرا من المنشورات التي كان يصدرها الحزب الشيوعي المصري آنذاك، كانت تلح على تشكيل مثل هذه الجبهة، وتأخذ على الإخوان المسلمين أنهم أيدوا مجلس قيادة الثورة ووقفوا في صفه، وتدعوهم إلى الانخراط في جبهة ديمقراطية تعيد الحكم للمدنيين وتطلق الحريات العامة وتستأنف الحكم الدستوري وتوقف زحف العسكريين على السلطة. وعلى الرغم مما كان ينوء به من هموم ما بعد غيابه الطويل وراء الأسوار، ومنها عودته إلى كلية طب قصر العيني ليكمل دراسته، وبحثه عن مسكن وعن وظيفة وتفكيره في أن يتزوج ويكون أسرة، ويرمم ما تهشم من مسيرة حياته، فقد بدا لي «رءوف نظمي» حين التقيت به لأول مرة، مرحا ومتفائلا ومقبلا على الحياة، لا تعتوره أي مشاعر بالندم على سيره في الطريق الملء بالأشواك والأشواق الذي اختاره، أو الأسىللثمن الباهظ الذي دفعه لكي يحقق حلم العدل الاجتماعي الذي تملكه، بل كان على العكس من ذلك لا يزال منشغلا بالقضايا الكبرى، التي كانت تشغل اليسار المصري والعربي آنذاك، وعلى رأسها العقبات التي تتعرض لها، والتراجعات التي تضطر إليها ما كانت تسمى أيامها بـ«التجربة الاشتراكية في الجمهورية العربية المتحدة». ومع أن أفكارنا ـ ربما بحكم التفاوت بين الأجيال ـ لم تتطابق تماما، إلا أنني أعجبت بحيويته العقلية، ومنطقه القوي في الدفاع عن آرائه، فدعوته للكتابة على صفحات مجلة «الحرية» البيروتية التي كنت أعمل مراسلا لها بالقاهرة آنذاك، وكانت أسبوعية يسارية تصدر عن حركة القوميين العرب في لبنان، وتهتم ـ وأهتم أنا الآخر ـ بإدارة الحوار، حول وحدة اليسار ومستقبل الاشتراكية الناصرية، فكتب مقالا كان أساسا لمناظرة اشترك فيها كثيرون من الكتاب اليساريين المصريين والعرب.. ومع أنه كان يقف في الوسط بين اتجاه يجنح لليمين ويؤيد الاشتراكية الناصرية بلا تحفظ وآخر يتطرف يسارا، ينحو لتوجيه انتقادات عنيفة إليها لا تخلو من حدة، كنت أميل إليه.. فقد أثارت المناظرة انتباه كثيرين كان من بينهم أجهزة الأمن التي لم أعرف إلا فيما بعد، أنها كانت تتابعني منذ حوالي العام وأن ما أكتبه بقلمي أو ينشر على صفحات «الحرية» من مقالات لكتاب مصريين يساريين، كان موضوعا لاهتمامها البالغ. «ووقعت الطوبة في المعطوبة»: دعوت «رؤوف نظمي» وآخرين من المختلفين معه، إلى جلسة في منزلي، لاستكمال المناقشة واستفدت مما دار في هذه الجلسة، وأنا أكتب سلسلة مقالات بعنوان «الثورة بين المصير والمسير» ما كادت تنشر حتى وجدت نفسي، ومعي كثيرين بينهم «رءوف نظمي» في معتقل القلعة، حيث بدأ الضرب بالعصي والكرابيج والسحل على الأرض، والتعليق من الأذرع، بحثا عن مؤامرة إعادة تشكيل الحزب الشيوعي المصري، الذي كان قد حل نفسه في عام 1965 وتخيلت أجهزة الأمن أن ما كتبه «رءوف» ومناظروه وما كتبته كان محاولة لصياغة خط سياسي له يتم على أساسه عودته للنشاط. وكان من بين هذه المقالات، مقال متشدد في انتقاده لثورة يوليو بتوقيع «محجوب عمر» عذبت لمدة يومين، لكي أعترف بأن كاتبه هو «رءوف نظمي» لأن الاسم الذي نشر به، جمع بين اسمين حركيين كان «رءوف» يستخدمهما في مستويين مختلفين من مستويات التنظيم أيام انغماسه في العمل السري، ولم يصدقني المحقق حين قلت له إن المقال أرسل إلى المجلة عن غير طريقي، وأنني لا أعرف كاتبه. وخلال الشهور التي أمضيتها معه بالمعتقل، اكتشفت أنه يكتب شعرًا جميلا ومميزا بالعامية المصرية وعاينت عن قرب مواهبه الإنسانية التي كان أبرزها قدرته على بعث التفاؤل في نفوس من حوله، وخاصة نحن الذين كنا نتعرض لتجربة الاعتقال لأول مرة، وكان يداعبني قائلا: إنه كان قد اشترى ليلة اعتقاله، صوانا للملابس لأول مرة في حياته وقبل أن يضع ملابسه فيه، اقتيد للمعتقل بسبب ما كتبته مع أنه كان يود لو أنه كتبه حتى لو كانت النتيجة أن يعود للمعتقل الذي أمضى فيه عشر سنوات بعد أقل من عامين على مغادرته له، وفي كل مساء كان صوته يأتينا وهو يغني بصوت جميل أغنية عبدالوهاب الشهيرة «لما أنت ناوي تغيب على طول.. مش كنت آخر مرة تقول»، ثم يهتف: يمسيكي بالخير يا اللي في بالي.. وبعد ثلاثة أشهر من مغادرتنا المعتقل وقعت هزيمة يونيو 1967، وبعدها بثلاثة أشهر أخرى كتب في مجلة «الكاتب» مقالا بعنوان «النضال بلغة أخرى» أعلن فيه أنه في طريقه للانضمام إلى حركة المقاومة الفلسطينية.. حيث عرفه الناس باسم «د. محجوب عمر» عضو المجلس الثوري لحركة «فتح». وما كدت أقرأ خبر رحيله عن الدنيا هذا الأسبوع، حتى رنّ في أذني صوته وهو يغني لما أنت ناوي تغيب على طول.. مش كنت آخر مرة تقول» ثم يهتف: «يمسيكي بالخير يا اللي في بالي»!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها