النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

رابط مختصر
العدد 8381 الأربعاء 21 مارس 2012 الموافق 28 ربيع الآخرة 1432

تعد المؤتمرات واللقاءات والورش على اختلافها، في الداخل والخارج، فسحا معرفية وسانحات لخلق تربيطات اجتماعية جديدة وتوثيق القديمة. وإني لأحسب أن الموظف يشعر مع هذه المؤتمرات واللقاءات بتخفف، ولو مؤقت، من أعباء العمل اليومي وروتينه، وفي إطار ما تقدم جمعتني لمدة خمسة أيام مع بعض الزملاء من الاختصاصيين من إدارات مختلفة بوزارة التربية والتعليم وبعض من المعلمين الأوائل من مختلف المراحل الدراسية أشغال ورشة عمل بعنوان «استراتيجيات تعليم حقوق الإنسان والتربية للمواطنة: العيش المشترك وتقدير الاختلاف والتسامح»، وهي واحدة من مجموعة ورش تحرص وزارة التربية والتعليم على انعقادها في مسعى منها لتعزيز مبادئ حقوق الإنسان والمواطنة في البيئة التربوية عبر استقطاب الكفاءات والخبرات العالمية وخصوصا تلك التي توصي بها منظمة الـ»يونسكو». لقد كانت الخمسة أيام التي انعقدت فيها الورشة السالفة الذكر فعلا في غاية الحميمية والجمال، وأزعم أنها واحدة من أجمل الفعاليات التي حضرتها، وقد يكون السبب في ذلك توقيتها، وإنه لمن الصعب تجاوز أثرها الاجتماعي الذي أسهم في تخفيف كثير مما كانت به النفوس مشحونة، وأزاح ما اعترى الوجوه من وجوم وكآبة منقولة من السنة الماضية. يبدو واضحا مما يشير إليه عنوان الورشة كم أن الراهن التربوي قد انعكست عليه الأحداث وأثرت فيه، حتى باتت الحاجة ملحة إلى تعزيز قيم ومبادئ حقوق الإنسان التي ذهبت ضحية للمذهبية المجنونة والمزايدات الجوفاء التي صارت الشغل الشاغل لبعض محترفي النضال الحقوقي شأن نبيل وأضرابه. وقد جاءت وقائع يوميات الورشة لتؤكد حاجة هذا الراهن التربوي إلى إيجاد تغيير في اتجاهات مساراته التربوية وخصوصا فيما يتعلق بالشق الاجتماعي الذي يجمع أطراف العملية التعليمية مما يسهم في تلطيف الأجواء وإعادة علاقات هذه الأطراف إلى سابق عهدها لضمان سيرورة تعليمية تعلمية منتجة. شخصيا كنت في توق إلى لقاء من هذا النوع مع معلمين من الميدان التربوي خصوصا بعد أحداث العام الماضي المريرة التي عصفت بالبحرين جملةً وبالمدارس خاصةً وأحدثت ما أحدثت من دمار نفسي عسى أن يكون في المستطاع محو آثاره في المتاح من الوقت رغم مقاومة السلوكات الطائفية الطافية فوق سطح المشهدين الاجتماعي والسياسي. وبعيدا عما تم الاشتغال عليه في الورشة، رغم أهمية المداولات والرؤى التي طرحت فيها، لأنني لست في مقام الحديث عن ذلك في هذا الحيز، فلذلك اخترت أن أسجل هنا لوقائع خطاب انبرت إحدى الزميلات الرائعات، وهي الدكتورة مريم، في طرحه في اليوم الأخير للورشة، وكأني بها كانت ترصد الأقوال والأفعال وتقرأ في الوجوه وتحلل النفسيات على مدى الأربعة الأيام المنصرفة من عمر الورشة لتسبر غور تفاصيل اجتماعية تراكمت في الخلوة مع الطائفة والمذهب التي فرضتها الأحداث لتبوح بما جادت به قراءتها في يومها الخامس والأخير سيّالة متدفقة لامست في شفافية بالغة مشاعر المشاركين حتى كانت سببا في تحجر الدموع في مآقي البعض واندلاقها عند البعض الآخر وأنا واحد من البعض الثاني. يبدو لي أن السبب هو أن البحريني بفطرته تواق إلى نزع مسببات الألم وعلى استعداد لخلق الأمل، غير أن مشكلته هي تداخل الديني والسياسي في تفاصيل حياته بدءا من ثمانينات القرن العشرين، أي بعد تأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وظهور المذهبية في أبشع تجلياتها، مما يجعل من أمر تحقيق ذلك في مهب الضياع. دعوني أعود إلى جميل الخطاب الذي أتقنت الدكتورة مريم حبكته وأجادت مهارة إرساله لأقول: لقد كانت الدكتورة بارعة في الوقوف عند أسباب ما حدث ملمة بتفاصيله عارفة بإشكالاته السياسية، ولكنها كانت تروم أن تنأى بكل ذلك عن الواقع الاجتماعي تاركة أمر تحليل الوقائع للسياسيين. وقد كانت دعوتها صادقة في تجديد خلايا التلاحم الاجتماعي من خلال التفتيش عن المشتركات الوطنية والحضارية. وإني لأثمن فيها ذكاءها الاجتماعي الذي استطاعت به استغلال الحدث للتأثير المباشر في المشاركين ضمن أشغال الورشة، إذ أنها أظهرت وبشكل فوري إجماعنا على حب البحرين بصرف النظر عن موقف كل واحد منا مما حدث، ولماذا حدث؟ وكيف حدث؟ لكنني بعد انفراط عقد الورشة المقرر بتاريخه تساءلت «كيف استطاعت هذه الزميلة الرائعة أن تؤثر في الزملاء كلهم من دون استثناء للدرجة التي أنزلت فيها دموع بعضهم لتغسل شيئا من أدران ذاك العام الأسود الذي فتك بنفسيات أهل البحرين وولى هاربا في مزبلة التاريخ؟» فوجدت الإجابة لا تذهب بعيدا عما فعله الدوار، وما أسهمت فيه التيارات الدينية المذهبية وخاصة منها جمعية «الوفاق» وتلك التي لم تعترف يوما بالقانون مثل «حق» و«وفاء» و«أحرار البحرين» وغيرها ممن لايزال يلعب بالنار في شوارع البحرين وفق أدوار خطيرة بعثرت الصف وكانت سببا في بروز ظاهرة العنف مرة أخرى في المشهد السياسي ولكن في هذه المرة بأكثر شدة بحيث أضحى تأثيره واضحا في المشهد الاجتماعي الذي يبدو مفككا ومنقسما. لقد فتح هذا الموقف الصادق الذي عايشته عقلا ووجدانا وفطرة بحرينية صادقة طيبة نقية بوابات الحلم أمامي، وأعاد علي تفاؤلا خلته انكسر، مع أشياء أخرى في مقامه انكسرت وانهارت، لولا إيماني بوطني قدرا ومسارا ومصيرا وكينونة، وجعلني أتساءل: هل لي أن أحلم في هذا العام من جديد وأقول إنا لو أسقطنا ما آل إليه مجتمع الورشة الصغير على مجتمع البحرين الكبير، وبادرت قيادات «الوفاق»، غير الطائفية، وشقيقاتها بعد إعلان براءتها من مشتقاتها المتعفنة مثل «حق» و»وفا» و»أحرار البحرين» إلى لعب دور الدكتورة مريم، وحسنت في مفردات خطابها؛ ليكون موجها إلى شعب البحرين في عمومه دون انحيازات مذهبية أو انتقائية، فهل أن ذلك سيُظهر ما أظهرته الورشة من مشاعر وأحاسيس كانت يوما ما قبل عام هي السائدة في العلاقات البينية الحاكمة لمكونات المجتمع البحريني العظيم؟ أظن القياس العقلي المنطقي المترع بحب البحرين كفيل بتقديم الإجابة التي نريدها جميعا، لتسقط «لو» التمني وترسم عوضا عنها بدائل واقعية تنقلنا إلى تخوم الحقيقة المتوخاة وطنيا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا