النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

تطهير الإعلام من الفلول والثوار والليبراليين!

درس الأمس الذي لا يجوز أن ينساه صحفيو اليوم والغد

رابط مختصر
العدد 8376 الجمعة 16 مارس 2012 الموافق 23 ربيع الآخرة 1432

عادت نغمة المطالبة بتطهير الإعلام لكي ترتفع في موجات يطالب بعضها بتطهيره من فلول النظام السابق وأعداء الثورة الذين يشهّرون بالثوار، ويطالب بعضها الآخر بتطهيره من الثوار الذين يحرضون علي الفتنة وعلي الوقيعة بين الشعب والجيش، ويطالب بعضها الثالث بتطهير الإعلام القومي علي وجه الخصوص من الليبراليين الذين يسخّرونه للتشهير بالأغلبية التي أعطاها الشعب ثقته في الانتخابات . وأدهشني أن من بين الأصوات التي تطالب بذلك إعلاميين وصحفيين وهو ما ذكّرني بما حدث في خريف 1978، عندما عاد الرئيس الراحل «أنور السادات» من «كامب ديفيد» بعد توقيع الاتفاقية التي تحمل هذا الاسم، إذ أقيمت الأفراح علي صفحات الصحف المصرية، علي شكل إعلانات تأييد ومبايعة، تنشرها الوزارات والهيئات والشركات، ونصبت الزينات وأقواس النصر في الشوارع والميادين، ولعلعت الزغاريد والأغنيات في محطات الإذاعة وبرامج التليفزيون ، ولم تكن تتوقف إلا لإذاعة برقيات التأييد والمساندة. من بين هذه البرقيات لفت نظري برقية أرسلها نقيب الصحفيين - آنذاك- المرحوم «علي حمدي الجمال» إلي الرئيس السادات ، يعبر فيها باسم «جميع «الصحفيين المصريين عن تأييدهم «جميعا» للخطوة الشجاعة والتاريخية التي قام بها. في مساء اليوم الذي نشرت الصحف فيه البرقية، وفي اجتماع عقدته النقابة لمناقشة بعض الأمور النقابية، طلبت الكلمة، فتردد النقيب في السماح لي بالكلام، إشفاقا عليّ في الغالب، وفي لهجة تذكير وتحذير ، قال لي برقة وتهذيب - كانا شائعين عنه - إنه لايزال يواصل جهوده لإلغاء قرار فصلي من عملي في جريدة «الجمهورية» وكأنه يتمني علي ألا أقول كلاما يصعّب عليه مهمته لكنني تكلمت لأقول له إنني انتخبته لينوب عني - كنقيب للصحفيين- في الدفاع عن حقوقي المهنية والاقتصادية، ولكنني لم أنتخبه ليعبر عن آرائي السياسية، ولم أفوضه بذلك وأن من حقه أن يكتب مقالا أو أن يرسل برقية ، يؤيد بها اتفاقيات كامب ديفيد، علي أن يكون ذلك باسمه كشخص، أو كرئيس لتحرير «الأهرام» أما الذي لا يحق له، فهو أن ينسب هذا الرأي لـ«جميع أعضاء النقابة» لأنني - وأنا واحد منهم - لا أوافق علي ما انتهت إليه مباحثات الرئيس السادات في كامب ديفيد، ولم أفوض النقيب في أن يعبر عن رأيي في هذا الموضوع، أو في أي موضوع سياسي آخر. ولم يعلق النقيب علي ما قلته، وانتقل بلباقة إلي موضوع آخر، ولكن الكاتب الكبير الراحل «إبراهيم الورداني» كتب في الأسبوع نفسه، وعلي صفحات «الجمهورية» يعلق علي ما قاله من سماه «هذا الصحفي القمامة» - الذي هو العبدلله ولا فخر - في اجتماع عام بالنقابة، مطالبا بتطهيرها من الخونة الذين يعارضون رغبة الشعب المصري في السلام. وفي العام التالي 1979 وبعد شهور من توقيع المعاهدة المصرية - الإسرائيلية، أحيل عدد من الكتّاب والصحفيين إلي المدعي العام الاشتراكي، وكان علي رأسهم «محمد حسنين هيكل» و«محمد سيد أحمد» و«أحمد حمروش» و«فريدة النقاش» والشاعر «أحمد فؤاد نجم» والعبدلله، وكانت التهمة العلنية الموجهة إلينا هي أننا نشرنا - في الصحف العربية- مقالات تسيء إلي سمعة مصر، وتضر بمصالحها، أما التهمة الحقيقية، فهي أننا كنا نعارض اتفاقيات كامب ديفيد واتفاقية الصلح المنفرد بين مصر وإسرائيل، ضمن حركة محدودة ، لكنها نشطة شملت آنذاك كثيرين من المثقفين والسياسيين والمشتغلين بالشأن العام، وقيل إن التحقيق سياسي، وأن نتيجته سترفع إلي النقابات المعنية لاتخاذ ما تراه من إجراءات ضد أعضائها. وبعد شهور أخري وفي سياق الضيق الشديد الذي كان يبديه الرئيس السادات بكل الذين يعارضون سياسته تجاه الصراع العربي - الإسرائيلي شن حملة ضارية ضد عدد من الصحفيين المصريين الذين كانوا يقيمون آنذاك في بلاد عربية وأوروبية ويعملون في صحفها ويعارضون سياساته، مطالبا بفصلهم من عضوية النقابة، مما يترتب عليه - طبقا للقانون - حرمانهم من مزاولة المهنة، وكان من بينهم عدد من ألمع الكتّاب والأدباء الذين يجمعون بين ذلك وبين العمل في الصحافة، وعدد من ألمع الصحفيين أتذكر من بينهم «محمود أمين العالم» و«محمود السعدني» و«صافيناز كاظم» و«غالي شكري» و«سعد زغلول فؤاد» و«أحمد عبدالمعطي حجازي». ولكن مجلس نقابة الصحفيين الذي كان قائما آنذاك - برئاسة «علي حمدي الجمال» ثم «كامل زهيري» - قاوم ببسالة وفي ظل ظروف عسيرة، الضغوط المكثفة التي بذلها الرئيس السادات لاستصدار قرارات فصل هؤلاء من النقابة، تقديرا منه أنها بداية سوف تعقبها موجة من قرارات الفصل لأسباب سياسية، وأعلن النقيب «كامل زهيري» أيامها الشعار الشهير أن عضوية النقابة كالجنسية لا يجوز إسقاطها. وكان لافتا للنظر أيامها أن أنصار النظام، ومؤيدي سياسته من الصحفيين، وكانوا يشكلون الأغلبية من أعضاء النقابة، لم يكونوا - فيما عدا استثناءات قليلة- متحمسين لقرارات الفصل، بما في ذلك أقطابهم، وهو ما دفع السادات للإعلان عن نيته في تحويل النقابة إلي ناد، مما كان يعني أن تسترد الحكومة سلطة الترخيص بمزاولة المهنة، وهي من أعمال السلطة العامة التي تتنازل عنها للنقابات، فيتاح لها بهذا الاسترداد أن تسمح لمن تشاء بأن يكون صحفيا، وأن تحرم العمل الصحفي علي من تشاء، لولا أن الصحفيين علي اختلاف تياراتهم وأجيالهم وتناقض مواقفهم من سياسة النظام تمسكوا بقاعدة أن عضوية النقابة كالجنسية لا يجوز إسقاطها إلا لأسباب مهنية، ولا يجوز بالذات إسقاطها لأسباب سياسية. وكان وراء موقفهم ذلك تجارب مريرة، أكدت لهم أن الفلك دوار وأن الزمان متقلب، وأن سياسة النظام لا تثبت علي حال، فهو في يوم اشتراكي ميثاقي، صديق للاتحاد السوفييتي، وعدو لإسرائيل ، وفي اليوم التالي رأسمالي انفتاحي حليف للولايات المتحدة وصديق لإسرائيل، وأن الأخذ بقاعدة فصل الذين لا يوافقون علي سياساته من الصحفيين، سوف تنتهي بفصلهم جميعا .. وأن من مصلحتهم أن يحافظوا علي حق كل منهم، في ممارسة المهنة، مهما اختلفوا في الرأي ومهما تناقضت رؤاهم السياسية. ذلك هو درس الأمس الذي لا يجوز أن ينساه صحفيو وإعلاميو اليوم والغد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها