النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11203 الأربعاء 11 ديسمبر 2019 الموافق 14 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:50AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:27PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

أبعاد

مايــــــة لهـــــــــــــــــــلال

رابط مختصر
العدد 8376 الجمعة 16 مارس 2012 الموافق 23 ربيع الآخرة 1432

هو تعبير قديم لم يدركه ابناء هذا الجيل الذين لم يعايشوا البحر كواحد من افراد الاسرة يدخل بيوتهم في زمن كانت البيوت تبنى من سعف النخيل على حواف البحر الأزرق فيعانقها وتعانقه في علاقة نادرة بين البحر والانسان البحريني الذي يرى أول ما يرى البحر وقد احاط به من كل الجهات ويراه في مطلع كل شهر عربي يدخل بيته «من سعف النخيل» دون استئذان في زيارة مرتقبة مع كل طلوع هلال الشهر حيث يبدأ المدّ «السقي» في اللهجة الشعبية مع غروب الشمس وطلوع الهلال الصغير في سماء بحرينية كانت ولا اصفى. حينها يبدأ المد ويبدأ البحر في عناق شهري مع البيوت يدخل حوشها ويمتد حتى يشمل المكان كله.. فترى الأواني تسبح في الحوش الصغير وكذلك هم الصغار.. فهذه «ماية لهلال» ولا بد من استقبالها بلا تأفف فغداً تتدفق معها الاسماك ويتدفق الخير الوفير.. فماية الشهر تحمل بين احشائها الاسماك إلى البيوت وإلى الشواطئ القريبة بما لا يحتاج معه الفرد إلى كبير عناء لصيد السمك. وهنا نتذكر «الزرقه» فالجميع من اطفال الفريج يستعد بتغطية اناء معدني بسيط بقطعة قماش ابسط يبسط عليها قليلاً من الطحين ويفتحها من فوق وينزل بها إلى البحر القريب مع ماية لهلال ويبدأ صيد الميد. لكن «العفاطي» المشاغبة تملأ الاناء «الزرقه» فيضطر كل صبي وطفل لافراغها واعادتها من جديد لاصطياد الميد.. فتلك «العفاطي» ليست من السمك وليست للأكل. كانت علاقة الناس مع ماية لهلال غريبة.. فبالرغم من انها تدخل بيوتهم وتنداح المياه في كل مكان وعند مطلع كل شهر عربي الا انهم يرحبون بها ولا يبدون ضيقاً وكأنها من نعم الخالق وكأن دخولها دخول ضيف عزيز عليهم.. صحيح انهم يحتاطون منذ الصباح ويرفعون اغراضهم وادواتهم في «الرفاعه» خصوصا الأكل لكنهم يبتسمون للبحر ولماية لهلال وهي تتقدم على مهل نحو بيوتهم ثم تغادرها بعد سويعات مع الجزر وتعود الحياة في تلك البيوت وكأن شيئاً لم يكن. وعندما ادخلوا مصابيح الشوارع في زقاقنا الصغير.. كنا ونحن اطفال نخشى من ان تصل ماية لهلال للجدار الذي وضع فوقه المصباح فتحدث كارثة.. فنتبرع بعمل حواجز ترابية منذ الظهيرة توخياً من ان تصل ماية لهلال إلى «الليت» فيحدث ماس كهربائي لا تحمد عقباه. لكن الماس يحدث مراراً حين يضع طفل من الاطفال يده على السلك المعدني المكشوف فتصعقه الكهرباء ونصرخ بصوت واحد وبهلع كبير «حمود يودته الكهربا». ويودته في لغتنا امسكت به ولا ندري انها صعقته وقد تعلمنا من الكبار ان نأخذ لوحاً خشبياً ونضرب به يد الطفل والسلك بمعنى نحدث بينها فاصلا للكهرباء.. وشخصياً تعلمت ذلك من جدتي لأبي رحمها الله حين خلعت قبقابها الخشبي ذات ظهيرة لتفصل بين السلك الكهربائي وبين يد طفلة صغيرة كانت ترتجف وفي آخر رمق لها وعندما انقذتها جدتي تعلمت ذلك ولم يغادر ذاكرتي الصغيرة كما لم تغادرها صور لفريجنا القديم ونحن نلعب عصراً فوق بقايا السفن التي تركت على الشاطئ لسنين وكان وجودها هناك مهماً لنا نحن الصبية حيث لا يحلو لنا اللعب الا فوق سطح سفن تحمل حكايات لم نستنطقها ولكنها علمتنا شيئاً من لغة البحر ومن اسراره فعشقناه واحببناه واحببنا ماية لهلال. وكانت سلامة تلك المرأة القوية التي تغضب من كل شيء وتتخانق مع كل شيء تستقبل ماية لهلال بهدوء وبهمة ونشاط لنقل اغراض البيت بعيداً عن ماية لهلال.. وكنا نساعدها في نقل الاغراض فنخطئ في وضعها وينالنا ما ينالنا من غضبها المعتاد وكان موسى رحمة الله عليه يبتسم من بعيد وبحنان ابوي كبير فنهرع اليه كما نهرع إلى البحر الجميل الأزرق. وظلت ماية الهلال جزءاً من الذاكرة الأولى يتذكرها اهل البحرين جميعاً وهي تزور بيوتهم وتختال في كل فناء وحوش ثم تغادر بهدوء هادئ فيلمع الرمل والصبان من جديد ومن جديد نعود إلى البحر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا