النسخة الورقية
العدد 11175 الأربعاء 13 نوفمبر 2019 الموافق 16 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:33AM
  • الظهر
    11:22PM
  • العصر
    2:28PM
  • المغرب
    4:49PM
  • العشاء
    6:19PM

كتاب الايام

مكائـــــد إبليــــس وفـــــــن التدليــس

رابط مختصر
العدد 8375 الخميس 15 مارس 2012 الموافق 22 ربيع الآخرة 1432

تطلق كلمة «العشوائية» على الخليط غير المتجانس ولا المتوافق من العناصر، وقد آن لنا أن نعترف أن الشعب المصري صار «أمة عشوائية» بجدارة. . ليست العشوائية في مدننا وشوارعنا والحجم الهائل للاقتصاد غير الرسمي فقط، لكن أخلاقنا وسلوكياتنا ذاتها عشوائية، مزيج عجيب من الفضائل والرذائل، يصعب تصور تجمعها لدى نفس الشخص. أفكارنا وتديننا عشوائي، يجمع بصورة مذهلة بين روح التقوى والفجور، حتى رؤانا للمستقبل عشوائية، تجمع بين تطلعنا للرخاء والتقدم والحداثة، وبين غرقنا في أوهام الماضي المقدس أو السعيد الذي نحاول استعادته بكل السبل. . هكذا أنجبت هذه الأمة د. فرج فودة ود. أحمد زويل ود. فاروق الباز ود. مجدي يعقوب، كما أنجبت سيد قطب وأيمن الظواهري ومحمد عطا. . هذه العشوائية المصرية هي السر في صعوبة تعرف العالم علينا وتحديد من نحن بالفعل وماذا نريد، كما هي بذات القدر وراء عجزنا على فهم أنفسنا، ذلك الفهم الضروري كنقطة بداية لأي محاولة للتغيير أو الإصلاح. حين تسود العشوائية لا مجال للحديث عن التفكير الرصين العلمي، فالفكر والعلم نظام وانتظام، ولا يصلح للتعامل مع العشوائية إلا إذا استطاع فرز كل الأوراق وإعادة ترتيبها، وهذا إن حدث سيكون تشويهاً للحقيقة العينية الخام الموجودة على الأرض، ليكون أفضل توصيف للعشوائية هو ما يتم عبر العشوائية، أي التعامل مع الشظايا والشذرات المتناقضة قطعة بقطعة، لننتج في النهاية توصيفاً عشوائياً لحالة نموذجية من العشوائية، فنجدنا محبذين متحمسين للثورة والتغيير، رغم ما وصلنا إليه من فوضى وترد، ومن سيطرة طيور الكراهية القتل والظلام على السلطة بالبلاد. . الأمر هنا ليس تناقضاً محضاً، فما يجري الآن بالبلاد لا يعيب الثورة، بل بالعكس يرفع من قيمتها، فلقد ساهمت ليس في فضح نظام مبارك فقط، ولكن في فضح الحاضنة التي ترعرع في حضنها كل ذلك الفساد. . شكراً للثوار الذين أيقظونا جميعاً على حقيقتنا المرعبة المقززة!! إذا أضفنا عاملاً جوهرياً آخر للعشوائية الفكرية لدى عموم المصريين، وهو «الأبوية الفكرية» بمعنى التفكير عبر «ثقافة بطريركية»، ترى الحياة وكل ما يحركها رهناً بإرادة قوة عليا قاهرة، سواء كانت قوة ميتافيزيقية متسامية، أو حاكم أرضي مسيطر عادلاً كان أو ظالماً، مما يترتب عليه تبرئة تامة لعموم الأفراد من كل ما يحدث لهم، خاصة إذا كان ما يحدث وبيلاً، سنجد والحالة هذه سيادة ما يمكن تسميته «التدليس» على الذات الفردية والجمعية للشعب، فنجد من قبيل التقوى كثرة الاستناد إلى مقولة «قدر الله وما شاء فعل»، حتى لو كان ما نشير إليه يتنافى تماماً مع ما نؤمن أنه يدخل ضمن فهمنا لطبيعة «المشيئة الإلهية»، وعلى المستوى السياسي يكون الحاكم هو المسؤول عن كل مناحي تردي حياتنا، بدءاً من إلقائنا لأكياس القمامة من الأدوار العليا لمنتصف الشارع، ووقوف سائق سيارة في منتصف الطريق ليأخذ صديقاً عزيزاً عليه بالأحضان، وانتهاء بمسؤولية عدم تمكن الشعوب العربية من إلقاء اليهود في البحر، وإزالة دولة إسرائيل من الوجود!! هكذا انقسمت القنوات الفضائية والمتحدثون فيها ومعهم الجماهير إزاء ما يحدث في أنحاء مصر الآن من جرائم وفوضى . لكي أكون واضحاً بلا لبس، ما أراه هو أن الثورة قد فضحت فساد الشعب المصري، وأن فساد نظام مبارك ما هو إلا ثمرة من ثمرات هذا الفساد، وإن ساهم ذلك النظام في تعميق هذا الفساد والتردي، فالأساس هو أن النظام صنيعة الشعب، ليعود ما أنتجه الشعب ليرتد عليه بالمزيد مما سبق وأنتج، ويحدث هذا في كل من حالات التقدم والتدهور على السواء، ولا يعنيني هنا إن كان كلامي أو توصيفي هذا بمثابة إهانة لصنم «الشعب البطل» أم لم يكن، لأنني لم ولن أكون يوماً من عبدة أي طراز من الأصنام، ولأن ما يعنيني حقيقة هو وضع اليد على أصل الداء ومكمنه، لكي نصل إلى بداية طريق الإصلاح. . شعبنا يتمتع بجهالة وفقر مادي وثقافي، بالإضافة لصفات لا تبرأ منها قطاعات كبيرة عاشت عمرها في ظل الكبت والقهر بجميع أنواعه، لتنطبق على سيكولوجيتها مقولة «يوم ما تقدر ما تعفيش» أو «تخاف وما تختشيش»، وهذه واضحة في أغلب سلوكياتنا الآن. . ولكي أريح المتعجبين والمستنكرين لكلامي أقول لهم: بالتأكيد أنا واحد من هؤلاء الذين أتجرأ على وصفهم بما سلف من صفات، فنحن ننتمي جميعاً لذات الجينات والثقافة والبيئة!! هكذا أيضاً يكون من العبث ما يحاوله الثوار من البحث عن «أب بطريرك» يتحمل وحده مسؤولية كل ما واجه ثورتهم «ثورتنا» من فشل، لأننا جميعاً شركاء في ذلك الفشل، وإن اختلفت الأدوار من حيث النوعية والحجم والوزن، وليس فقط لأن الثوار الحقيقيين خارج دائرة السلطة في جميع الأحوال في المرحلة الحالية، وانسحاب المجلس العسكري من الساحة السياسية سيسلم البلاد كاملة لمن لا يرحم، بل ربما كان انتخاب رئيس الجمهورية وفق اتفاق بين المجلس العسكري والإخوان يعد إنقاذاً للبلاد من انتخابات تحت جناح الإخوان منفردين، كما أننا نحن «الشعب البطل» الذين أتينا بالإخوان والسلفيين في أول برلمان بعد الثورة «ولا نسميه برلمان الثورة». بالاتفاق مع ايلاف

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها