النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11493 الجمعة 25 سبتمبر 2020 الموافق 8 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:56PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

مســـــيرة القرقــــاعـــــون

رابط مختصر
العدد 8374 الأربعاء 14 مارس 2012 الموافق 21 ربيع الآخرة 1432

الذي يميز القرقاعون عن سائر المأكولات أنه يحتوي على خليط من الأشياء التي يبيعها القراشية في السوق، النقل والجوز والنخي والتين المجفف والحلويات، لذا هو خليط من كل شيء، وهناك صنف من الناس هم في دائرة القرقاعون حين يقفون أمام بوفيه الأفراح، فيملؤون الصحون من كل الأصناف، لحم ودجاج وسمك ورز وصالونة ومقبلات وخبز وسلطات ولا ينسى الحلويات وأبرزها أم علي، فيخلطون المأكولات في صحونهم قبل أن ينزلونها في بطونهم، فهذا الصنف من الناس ينظر إلى الكثرة لا الجودة، وسبب تقديم القرقاعون والبوفيه في هذا المقال هو أن هناك فعاليات اليوم لا تبتعد عن وصف القرقاعون الذي يوزع في منتصف شهر رمضان والبوفيه في الأفراح، لذا فإن الكثير من الفعاليات اليوم هي شبيهة في الشكل والمضمون بالقرقاعون والبوفيه. موظة القرقاعون والبوفيه سرت هذه الأيام على الكثير من الفعاليات، وفي الشأن السياسي برزت في المسيرات والمظاهرات، فقد دار في المجالس والمنتديات عن مسيرة المحافظة الشمالية، هل هي خمسين ألف أو سبعين ألف أو مائة ألف، وكأن الهدف من المسيرة هو العدد، فلنفترض أنها مائة أو مائتين أو أكثر أو أقل، ماذا يفرق إذا كانت المسيرة وطنية ليس طائفية، فإذا كانت وطنية كما يدعي أصحابها فبإمكاننا أن نعتبرها امتدادا لتجمع الوحدة الوطنية، وإن كان الهدف منها التكتل الطائفي فهي لا تتجاوز العدد الذي دعا له الشيخ عيسى قاسم، ولكن في كلتا الحالتين وصفها البعض بأنها لا تتعدى أن تكون مسيرة القرقاعون!. في المسيرة التي دعا لها الشيخ عيسى قاسم كان التحدي واضحا في رفع عدد المشاركين، وكأن الهدف هو كسر الرقم القياسي الذي حطمه الشيخ عبداللطيف المحمود حينما تجمع حوله ثلاثمائة وخمسين ألف، لذا كانت الاستعدادات كبيرة لكسر الرقم السابق، والمؤسف له أن بعض المثقفين والكتاب اعتبرها مسألة حياة أو موت، فحاول التحشيد من خلال مراكز التواصل الاجتماعي (التويتر)، وتحول إلى صبي صغير لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره وهو ممسك بجهازه النقال من الصباح الباكر، مستجدياً الناس بالمشاركة والتدافع وعدم كشف المستور، فيصف الرجال والنساء والأطفال والعجزة المشاركين بالمسيرة، محاولاً تحطيم الرقم القياسي للشيخ المحمود، ويا لها من سذاجة حينما يصدق المثقف القصة والحكاية ويتحول من (نوخذة إلى بحار) في مسيرة لا توصف إلا قرقاعونية المذاق!. مسيرة القرقاعون كانت تشم من رائحتها نتن الطائفية لذا لم تنطل على أبناء هذا الوطن فتوى المشاركة، وأنها تكليف إلهي وواجب شرعي!، فقد أشغل الجميع عقله في مسألة في غاية الحساسية، وتوقفوا عند القاعدة الفقهية (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح)، فامتنع الكثير من المشاركة بعد أن اتضح الأنزلاق في مستقنع الطائفية، فقد كانت المسيرة دعوة للاصطفاف الطائفي والتحشيد المذهبي، وكان واضحاً أن مسيرة القرقاعون كانت تستهدف الكم لا الكيف، وهذا أوقعها في إشكالية رفع الأعداد، إذ كيف يمكن لمسيرة مدعومة بفتوى إلهية أن لا يحظر لها أحد!. إن تحول المسيرات السياسية إلى مسيرات قرقاعون بعد دعمها بالفتاوى الشرعية أفقدها أبرز مقومتها، فقد دخلت الكثير من الجمعيات السياسية في طريق مسدود، والسبب أنها جعلت مصيرها مرهونا بالفتاوى السياسية لا التصويت الديمقراطي، فألغت تلك الجمعيات قرارات الأمانة العامة والهيئة المركزية ومجلس الشورى لديها واكتفت بفتوى صادرة من علماء الدين، لذا التساؤل الكبير الدائر هذه الأيام في المجالس والمنتديات هو إذا ما أرادت الجمعيات السياسية أن تنظم مسيرة حاشدة هل تتقدم للحصول على فتوى دينية أم يكفيها قرار الأمانة العامة لديها؟! وهل الفتوى تعتبر ملزمة لوزارة الداخلية وسرعة تمريرها بالموافقة؟!. مثل مسيرة القرقاعون الأخيرة جعلت الجمعيات السياسية في حيرة من أمرها، فهي سلمت أمرها للفتوى الدينية، وهذا أحد الأسباب التي جعلت الكثير من الناس ينصرفون عنها اليوم، لذا الدارس للتاريخ يجد أن فشل التيار الليبرالي في السبعينيات كان بسبب التناقضات الكبيرة التي وقع فيها رموزها، وعدم التعاطي مع الوضع بعقلانية، الأمر الذي أرهق الشارع وأصيبت قواعده بالإحباط واليأس بعد تآكلها واضمحلالها وتلاشيها، لذا فإن كثرة المسيرات والمظاهرات، والصراخ المنفعل والتسرع في أتخاذ القرارات مآله إلى الفشل. فالمشهد السياسي اليوم يستوجب التأني في التعاطي مع القضايا، وعدم إرهاق الشارع بكثرة المسيرات ذات الطابع الديني، فالمجتمع البحريني اليوم يعيش مرحلة المخاض العسيرة، وهذه المرحلة يحتاج فيها إلى الهدوء والاستقرار من أجل أن تكون الولادة صحيحة، ويخرج المولود سالماً، لذا لا حاجة لمسيرات الهدف منها أثبات الأكثرية والأقلية، فمثل هذه المسيرات لا يمكن وصفها إلا مسيرات القرقاعون أو بوفيه الأفراح!.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها