النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11200 الأحد 8 ديسمبر 2019 الموافق 11 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

أبعاد

في ثقافة الاعتذار

رابط مختصر
العدد 8370 السبت 10 مارس 2012 الموافق 17 ربيع الآخرة 1432

هي المشكلة في جميع العلاقات التي تنتظم فيها حياتنا وتتشكل من خلالها أساليبنا.. فعندما تغيب ثقافة الاعتذار من قاموسنا ومن مسلكياتنا اليومية تتعقد كل علاقاتنا الصغيرة منها والكبيرة. وهذا نتيجة تربية ونتيجة ذهنية عربية تكرست عبر احقاب طويلة، فهمنا فيها الاعتذار بوصفه ضعفاً وهشاشة، وبالتالي توارثنا موقفاً سلبياً من كل اعتذار وأصابتنا منه حساسية غير طبيعية إطلاقاً ورحنا نلقن أجيالنا ان الاعتذار اي اعتذار كان منافياً للكرامة والبطولة والشجاعة، «علماً بأن الاعتذار قمة الشجاعة الأدبية والمعنوية ويحتاج الى جسارة بشرية تتجاوز عقد الذات الصغيرة»، لكنها الطبيعة او التركيبة العربية التي وقفت من الاعتذار موقفاً بالغ السلبية. وهو ما انعكس على علاقتنا اليومية ومنظومتها العامة، فحتى داخل الاسرة وضمن العلاقات الاسرية الصغيرة اختفت فضيلة الاعتذار ولم يعد الزوج قادراً على الاعتذار من زوجته حتى ولو ارتكب ابشع وأشنع الاخطاء بحقها، ولم يعتذر الولد من والده لأننا كنا وما زلنا ننظر الى الاعتذار بوصفه نقيصة وضعفاً وتأثرت جميع علاقاتنا بأسباب من غياب ثقافة الاعتذار القادرة على تذويب الجليد في العلاقات بسرعة سريعة فقط، لو فهمنا الاعتذار بوصفه شجاعة أدبية وإنسانية وجسارة ذاتية راقية وحضارية. وهكذا تعقدت كل العلاقات لأننا نرفض الاعتذار ثقافة ونرفضه سلوكاً ونرفضه معنىً ونرفضه مظهراً وجوهراً. وعلى العكس من ذلك فهمنا السياسة بوصفها عنتريات «ما قتلت دبابة» بحسب التوصيف النزاري بالغ الدلالة لوعينا السياسي او فهمنا للسياسة لا في اطار فن الممكن بل في اوهام الحماس والعناد وركوب الرأس بما يعني رفع مفردة الاعتذار من حياتنا السياسية العربية، وهو ما أوقعنا في مصائب وجرّ علينا كوارث سياسية ومجتمعية سيئة وخطيرة كان بإمكاننا تلافيها لو كنا فقط نفهم الاعتذار ونمارسه اجتماعياً وسياسياً ضمن علاقاتنا. حتى الخطأ تجاه الوطن وتجاه الأرض عندما نقترفه فإننا لا نعتذر ولا نفكر حتى في الاعتذار من الوطن، وتلك هي قمة الوعي المتخلف في ثقافة الاعتذار الغائبة والمغيبة من حياتنا السياسية والاجتماعية واليومية. فالوفاق مثالاً لا حصراً وهي تنغمس على مدى أكثر من عام في التجاوز على الوطن وعلى مكوناته، الامر الذي اثار ما أثار من ازمة طاحنة كان وما زال كان بإمكان الوفاق لو تحلّت بفضيلة ثقافة الاعتذار ان تقطع الطريق مبكراً على تداعيات الازمة في الوسط والقاع الاجتماعي العريض الذي اتخذ من الوفاق موقفاً مناهضاً كان بإمكانها تبريده لو كانت تتحلى قيادة ومرجعية بثقافة الاعتذار لكنها في ذلك كما غيرها من احزاب ثيوقراطية متعالية واستكباربة ووصائية. فطبيعة كل مكوّن وصائي طبيعة استكبارية متعالية على الآخرين، وبالنتيجة هيهات ان تعتذر منهم ناهيك عن ان تعتذر من الوطن؛ لأنها تعتقد «أنها الوطن والوطن هي»، كما يوليوس التاسع صاحب مقولة «انا الدولة والدولة أنا»، والوفاق تعيد فينا انتاج المقولة بصلافة الاستعلاء حتى على الوطن حين ترفض الاعتذار من اخطائها تجاهه. وعندها يتحول الخطأ الى خطيئة يصعب التطهر منها وتترك آثارها الكبيرة السوء على المكونات المجتمعية الاخرى التي تضررت من الخطأ وعانت عندما صار خطيئة لعدم الاعتذار من هذا الوطن القادر على التسامح والتعايش فقط ان يستطيع بعض ابنائه الاعتذار الواجب منه عندما يخطئون بحقه. إنها ظاهرة مؤسسية ومؤسفة تمكنت من عقليتنا العربية وسيطرت عليها ولم نفكر حتى الآن في اعادة تقييمها او تقويمها بحسب الدكتور طه حسين.. ذلك لأننا حتى اللحظة العربية الراهنة لا نفكر ولا نمارس نقد الذات وهي آفة الآفات في فكرنا وعقلنا العربي الجمعي بشكل عام وعقل الانتلجنسيا «النخب» بشكل خاص بما يضاعف المشكلة. فمتى نعتذر ومتى نملك جسارة الاعتذار من الوطن يا وفاق؟؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا