النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12099 الثلاثاء 24 مايو 2022 الموافق 23 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

بكائية في وداع «ثروت عكاشـــــة»

رابط مختصر
العدد 8369 الجمعة 9 مارس 2012 الموافق 16 ربيع الآخرة 1432

كان ذهولي كاملا حين عرفت أن المشير عامر هو الذي كان يدعم سياسة الكيف الرفيعة التي اتبعها عكاشة وأن «عبد الناصر» كان يدعم سياسية الكم الخفيفة التي ينفذها عبد القادر حاتم. صلاح عيسى دخلت مكتب الأستاذ «خالد محيي الدين» رئيس حزب التجمع ذات يوم من عام 1986 فوجدت بصحبته «ثروت عكاشة» الذي عاتبني بقسوة، لأنني اتخذت من عبارة «مثقفون وعسكر» عنوانا لأحد كتبي، وكان من رأيه أن العنوان يوحي بأن المثقفين شيء، والعسكر شيء آخر.. وأن العسكر غير مثقفين. ولم يكن هذا المعني قد تطرق إلي ذهني عندما اخترت عنوان الكتاب الذي يضم مراجعات وتجارب وشهادات عن حالة المثقفين في ظل حكم عبدالناصر والسادات.. ثم إنني كنت أعجب بما يكتبه كتاب وأدباء، لم أعرف إلاّ فيما بعد أنهم من العسكر، كان من بينهم «يوسف السباعي» الذي كنت شغوفا آنذاك بقراءة رواياته وقصصه القصيرة، ولم أعرف أنه أميرالاي - أي عميد - بالجيش وكبير معلمي الكلية الحربية، إلاّ بعد قيام ثورة يوليو 1952، و«أحمد حمروش» الذي قرأت له كتابه «حرب العصابات» حين نشره في أعقاب إلغاء معاهدة 1936، وبدء حرب الفدائيين ضد القاعدة البريطانية في منطقة قناة السويس، و«ثروت عكاشة» نفسه، الذي نشر كتابه الأول «العودة إلي الإيمان» مترجما عن الفرنسية، عام 1951، باسم «ثروت محمود» وحذف اسم الأسرة، والرتبة العسكرية. ولم أعرف أن كليهما - «حمروش» و«عكاشة» ـ من العسكر، إلاّ عندما توليا علي التعاقب، رئاسة تحرير «مجلة التحرير» أول إصدارات ثورة يوليو الصحفية، إذ كان كل منهما حريصا علي أن يذكر في ترويسة المجلة - التي كانت تصدر عن إدارة الشئون العامة بالقوات المسلحة - رتبته العسكرية، ومنها عرفت أن الأول يوزباشي - أي نقيب - والثاني صاغ (أ.ح)، أي رائد متخرج في كلية أركان الحرب. ومع أن «حمروش» كان قد ترك رئاسة تحرير المجلة، بسبب اعتراض بعض أعضاء مجلس قيادة الثورة علي ما اعتبروه جنوحاً يساريا منه في اختيار أسرة تحريرها، وفيما كانت تنشره من موضوعات، إلاّ أن «ثروت عكاشة» احتفظ بأسرة التحرير كما هي، وبخط المجلة كما كان، إلي أن كتب - في العدد الذي صدر 23 يوليو 1953 بمناسبة العيد الأول للثورة - مقالاً بعنوان «هكذا قمنا بالثورة»، «روي فيه ذكرياته عنها»، وأهمل أدوار الباقين، فعقد وزير الإرشاد (الإعلام) صلاح سالم مؤتمرا صحفيا في اليوم التالي، أعلن فيه أن مجلة «التحرير» لم تعد تعبر عن مجلس قيادة الثورة، وفي مساء اليوم نفسه أصدر المجلس قرارا باخضاع المجلة للرقابة وبتعيين أنور السادات مديرا عاما لها وتعيين ثروت عكاشة ملحقا عسكريا في «برن».. واستشاط عكاشة غضبا، فحاصر مبني «دار الهلال»- حيث كانت المجلة تطبع - بالدبابات، وحرق كل أصول العدد الذي كان معدا للصدور منها، وأمر بصهر قوالب الملازم التي كانت قد أعدت للطبع. وكانت تلك نقطة البداية التي مكنت ثروت عكاشة من أن يتأهل للدور المهم الذي لعبه في تاريخ مصر، وهو أن يصوغ رؤية ثورة 23 يوليو 1952 للثقافة، فبعد خمس سنوات عمل فيها ملحقا عسكريا في سويسرا وفرنسا ثم سفيرا في باريس وروما، وحصل خلالها علي الدكتوراة من جامعة السوربون، وتعرف علي ملامح النهضة الثقافية في أوروبا، استدعاه «جمال عبد الناصر» - في نوفمبر 1958- لكي يتولي وزارة الثقافة -التي لم يكن قد مضي علي تأسيسها سوي شهور قليلة - خلفا لـ«فتحي رضوان». وصحيح أن الذين قاموا بثورة يوليو كانوا من العسكر، إلاّ أن صلتهم بالثقافة - بحكم اهتمامهم بالشأن العام- لم تكن منقطعة، وفضلا عن أن كان من بينهم عدد من المهتمين بالثقافة والمشتغلين بها، فقد كانت عقولهم وصدورهم مفتوحة لكل اقتراح أو مشروع يبني نهضة مصر.. ولذلك وافق مجلس قيادة الثورة بعد أسابيع من توليه السلطة علي اقتراح «فتحي رضوان» بإنشاء وزارة الإرشاد القومي، التي ضمت بين إداراتها مصلحة للفنون تولاها «يحيي حقي» ونقل إليها من وزارات الدولة الأخري، الموظفين المثقفين وعلي رأسهم «نجيب محفوظ» و«علي أحمد باكثير» واستجاب قائد الثورة «جمال عبد الناصر» لاقتراح زميله «يوسف السباعي» بإنشاء المجلس الأعلي لرعاية الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية وأصدرت «دار التحرير للصحافة» التي أسستها الثورة، مجلة «الرسالة الجديدة» لكي تحل محل مجلة «الرسالة» التي كان يصدرها «أحمد حسن الزيات» بعد أن توقفت عن الصدور. وهكذا أصبحت الثقافة ـ في ظـل ثورة يوليو إحدي الخدمات العامة التي تلتزم الدولة بتقديمها إلي المواطنين، شأنها في ذلك شأن الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية الأخري، وكانت المهمة التي طلب «عبدالناصر» من زميله «ثروت عكاشة»، أن تقوم بها الوزارة، هي أن تعيد بناء وجدان الإنسان المصري.. فنشط لأدائها.. وخلال السنوات الأربع التي تولي فيها الوزارة لأول مرة، وضع أسس المشروعات الاستراتيجية التي مازالت قائمة حتي اليوم من أكاديمية الفنون إلي مشروع الصوت والضوء، ومن الحفاظ علي الآثار إلي الاهتمام بالفولكلور ومن منح التفرغ إلي قصور الثقافة. لكن سياسة يوليو تجاه الثقافة، ما لبثت أن اضطربت بعد أن تناوبتها مدرستان، الأولي هي مدرسة «الكيف» - التي كان يتبناها «ثروت عكاشة» - وتقوم علي أن تتولي الدولة بناء الأعمدة الاستراتيجية للثقافة، التي تسهم في خلق النهضة الثقافية، والثانية هي «مدرسة الكم» - التي قام علي تنفيذها «د.عبدالقادر حاتم» - الذي ظل يتبادل الوزارة مع «ثروت عكاشة» خلال العهد الناصري - وهي تقوم علي دمج وزارتي الإعلام والثقافة، واستخدام إمكانات الإعلام في الترويج للمنتجات الثقافية، وتقديم خدمات ثقافية بغزارة، تفقدها طابع الجدية والإتقان علي طريقة كتاب كل ست ساعات ومسرحية كل أسبوع وعشر مجلات ثقافية أسبوعية وشهرية. وكنت أظن - ككثيرين من جيلي - أن سياسة الكيف أو الثقافة الرفيعة المنسوبة إلي «ثروت عكاشة» كانت تعبر عن رؤية «عبد الناصر» لثقافة يوليو، وأن سياسة الكم أو الثقافة السريعة التي كان يتبعها «عبد القادر حاتم»، كانت تعبر عن الجناح اليميني من الثورة، إلي أن قرأت مذكرات «ثروت عكاشة» فكان ذهولي كاملا حين عرفت أن الذي كان يدعم سياسة الكيف، كان المشير عامر، وأن الذي كان يدعم سياسة الكم.. كان جمال عبد الناصر! وكان ذلك ما تذكرته وأنا أودع ثروت عكاشة - الذي غادر عالمنا في الأسبوع الماضي -بالدموع، اعترافا بفضله علي الوطن، وخوفا من أن نكون في مطلع الزمن الذي لا كم فيه ولا كيف، ولا ثقافة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها