النسخة الورقية
العدد 11120 الخميس 19 سبتمبر 2019 الموافق 20 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

في شأن تطوير المناهج!!

رابط مختصر
العدد 8367 الأربعاء 7 مارس 2012 الموافق 14 ربيع الآخرة 1432

حضرت في أثناء الأسبوع المنصرم اجتماعا ثانيا مكملا لاجتماع كانت قد أطلقت فيه الأستاذة الشيخة لولوة آل خليفة، المعروف عنها، إلى جانب دماثة تعاملاتها مع مختلف الكوادر، تفانيها فيما هي مسؤولة عنه وحسها القيادي المرهف المشجع للمبادرات التي يطلقها الموظفون في قطاعها، مبادرة «المراجعة الشاملة للمناهج»، ولا أظن القارئ الكريم يغفل عن الطبيعة الواعدة لهذه المبادرة انطلاقا من عنوانها؛ إذ هي تعبير عن إحساس بمسؤولية تربوية عالية اقتضت مني قراءة قبلية تحضيرا للمساهمة برأي عله يكون مفيدا في هذا الاجتماع. فقد استثار موضوع المراجعة الشاملة للمناهج في ذهني عددا كبيرا من المشكلات والأسئلة المرتبطة في منطلقاتها ومداها بحاجات المجتمع البحريني اليوم إلى إعادة النظر في مؤسساته الاعتبارية المؤتمنة على استمرار رأس ماله الرمزي الماثل في خبراته المتوارثة وقيمه المتنوعة الثرية ثراء عمق تجذر الإنسان البحريني في كل الأبعاد المتضافرة في تشكيل مقومات هويته. حضرت الاجتماع وفي ذهني مكتسبات منظومة تربوية أراد لها أهلها أن تكون منذ بواكير القرن المنصرم رائدة التحديث والتطوير فمنيت النفس بأن اجتماعنا المأمول لن يكون غير تكريس لهذا الموروث الجميل البراق بعمقه الإنساني، ولن يكون إلا تعبيرا عن استجابة وزارة التربية والتعليم لمختلف الأصوات التي تتعالى من هنا وهناك منادية بضرورة إخضاع منظومتنا التربوية إلى مراجعة شاملة وإلى تأهيل شامل يرتقي بمخرجاتها ويجعلها قادرة على التأقلم مع الواقع العلمي والعالمي والاجتماعي المتغير. تكرس ذلك في ذهني وأنا المتيقن بأن الوزارة، بقيادة الفاضل الدكتور ماجد النعيمي الذي تسجل الوزارة في عهده قفزات كمية ونوعية، لن تحيد عن طريق الصواب والسداد في تحقيق أهدافها. غير أن تفاؤلي الأول انقلب إلى حيرة بعد أن تجاوز الاجتماع مراسم الافتتاح عندما انبرى أحدهم متحدثا في خطاب طويل عريض كاد يلامس حدود الساعتين عن التطوير ودواعيه وآلياته وإجراءاته، إذ علمت وقتها أن المتحدث قد أوكلت إليه مهمة استشارية تجعله المسير الفني للمراجعة والمشرف عليها، وأدركت وقتها انقلاب حيرتي، وأرجو ألا يُغضب ذلك أحدا، إلى خيبة أمل كان قد خامرني قبل الاجتماع وخبا بريقه بمجرد أن أيقنت أن رقبة المنظومة التربوية قد أُسلم قياد مراجعة مناهجها لواحد فرد، لست أدري لم قفزت إلى ذاكرتي بمجرد الاستماع إليه وتأمل كلماته وقدرته على حفظ ما قرأ واستفراغه على الحضور من دون قدرة على الإقناع صورة راسبوتين المغامر الذي جمع في سيرته وشخصيته متناقضات نعرف جميعا مآلها التراجيدي. أعتقد أنه لا يُمكن عقلا ومنطقا وواقعا لواحد فرد أن يُحقق مثل هذه المهمة حتى لو تسربل بكل ما أنتجته «اليونسكو» من أدبيات في هذا المضمار. وقد يتبادر إلى أذهان البعض وخصوصا زملائي في إدارة المناهج أن إحساسي بخيبة الأمل بعد الاجتماع مستمد من الصورة الاستعارية التي فرضتها ذاكرتي علي وأنا أتابع خطاب من أسندت إليه مهمة المراجعة فجعلتني أرى فيه راسبوتين، إلا أن ذلك - وإن كان في بعض منه صحيحا - لا ينبغي أن يحجب السبب الأكبر في هذا الشعور المرير، وبهذا السبب أعني منزلة المنظومة التربوية من نسيج مجتمعنا البحريني، فالشأن التربوي أصبح الآن وأكثر من أي وقت مضى شأنا وطنيا جماعيا بامتياز نظرا للتحديات الكبيرة والجسيمة المحدقة بنا والمتطلبة لحلول جماعية أكيدة أكثرها كامن بين أسوار المدارس وفي رحاب الجامعات ومؤسسات التدريب المهني والتطوير. ففي الشأن التربوي مفاتيح حلول عديدة لمشكلاتنا ومصابيح نيّرة تيسر علينا سبل تحقيق أهداف رؤية البحرين 2030 الاقتصادية والاجتماعية التي رأت في التعليم مستقبلا لهذه البلاد التي لا ينبغي أن يزايد أحد على حبنا لها وعلى رغبتنا في أن تكون في أبهى صورة أرى في تحققها لمسة وفاء حقيقية لأسلاف أرسوا دعائم التعليم النظامي العصري في هذه الديار الطيبة منذ بدايات القرن العشرين، وعلى حرصنا على أن ندفع بمناهجنا لتسهم بقسطها في حل المأساة التي حلت بنا في العام 2011، وهذا لعمري تحد ما بعده تحد. إن منزلة المنظومة التربوية من النسيج الجمعي لمجتمعنا تجعل كل مشاغلها وقضاياها بالضرورة قضايا جماعية، وهي بناء على هويتها هذه لا يُمكن أن تتخذ فيها القرارات الاستراتيجية بناء على ثقة مسؤول من المسؤولين بكفاءة واحد فرد. كما أن قرارات التجديد والتطوير وإن كانت في منتهاها فنية لا يُمكن البتة – وهذا ما تشهد به تجارب دول عديدة رائدة تعليميا - أن تنطلق فردية أو حتى زمرية؛ لأن الإطار العام الحاضن لهذه القرارات المصيرية ينبغي أن يكون جماعيا يشترك في صياغته ولي الأمر والحرفي والفنان والمثقف والمعلم والأستاذ الجامعي ورجل الأعمال ونواب البرلمان وأعضاء مجلس الشورى وممثلو المجتمع المدني... صياغة يُشتق منها القرار الفني وتبنى من خلالها أجيال المناهج الجديدة؛ لتكون بذلك بنت واقعها والمعبر الحقيقي عن انتظارات القطاعات المجتمعية من المنظومة التربوية. عندها فحسب تتدخل إدارة المناهج وخبراء وزارة التربية والتعليم ومسؤولوها لترجمة هذه الانتظارات وتحويلها إلى فرص تعلم تتيح لناشئتنا تعليما متميزا. ولربما يعترض معترض على هذا التصور فيتهمني بالإيغال في ديمقراطية شعبوية ويحتج علي بأمثلة عديدة منها أن المريض لا ينتظر استشارة شعبية ليحدد الطبيب الذي يلجأ إليه أو الدواءَ الأنفع لحالته، غير أني أقول ردا على مثل هذه الاعتراضات المحتملة، إن الأمر يرتبط بهوية المُعالَجِ أولا فهو منظومتنا التربوية الوطنية التي لا أحد ينكر عدم الرضا المسجل على مخرجاتها والرغبة الجمعية في تطويرها ليكون التميز عنوانها، أفليس مبادرة تحسين الزمن المدرسي إلا إحدى المبادرات الواعدة التي تذهب في اتجاه تحسين مخرجات التعليم وبلوغه المستويات العالمية المرتجاة؟ أحسب أن أحدا لا يستطيع أن يخالفني الرأي في أنه لا يُمكن إيكال أمر مصيري كهذا إلا لمن ثبتت كفاءاته خبرة وعلما وعملا، وبالتأكيد لن يكون ذلك متمثلا في شخص بعينه وإنما في مؤسسة تقوّم الأمور وتقيسها وفق ضوابط تربوية عالمية، وهو ما أكدته بالفعل وقائع تربوية عديدة في العقود الأخيرة في ماليزيا وسنغافورة وأستراليا والنرويج وكندا وسويسرا... فقد اعتمدت ذات المسار وجنت أجيالا جديدة من المناهج يكفينا شاهدا على نجاحها نتائج طلبة هذه البلدان في المسوحات الدولية، فلم لا نقتدي بهذه التجارب الناجحة لتنال الأجيال المتعاقبة حقها في الأفضل؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها